فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ أي حيثما كنت، والبركة أصلها من بروك البعير، والمعنى : جعلني ثابتاً في دين الله، وقيل : البركة هي : الزيادة والعلوّ، فكأنه قال : جعلني في جميع الأشياء زائداً عالياً منجحاً. وقيل : معنى المبارك : النفاع للعباد، وقيل : المعلم للخير، وقيل : الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. ﴿وأوصاني بالصلاة﴾ أي أمرني بها ﴿والزكاة﴾ زكاة المال، أو تطهير النفس ﴿مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ أي مدة دوام حياتي، وهذه الأفعال الماضية هي من باب تنزيل ما لم يقع منزلة الواقع تنبيهاً على تحقيق وقوعه لكونه قد سبق في القضاء المبرم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج سعيد بن منصور وابن عساكر عن ابن عباس في قوله :﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ قال : بعد أربعين يوماً بعد ما تعافت من نفاسها. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال : بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران، فقالوا : أرأيت ما تقرؤون ﴿يا أخت هارون﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، قال : فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فقال :( ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم ؟ ) وهذا التفسير النبوّي يغني عن سائر ما روي عن السلف في ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس قال : كان عيسى قد درس الإنجيل وأحكامها في بطن أمه، فذلك قوله :﴿إِنّي عَبْدُ الله آتَانِي الكتاب﴾. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله :﴿آتاني الكتاب﴾ الآية، قال : قضى أن أكون كذلك. وأخرج الإسماعيلي في معجمه، وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه وابن النجار عن أبي هريرة قال :( قال النبيّ ﷺ في قول عيسى :﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ قال :( وجعلني نفاعاً للناس أينما اتجهت ) وأخرج ابن عديّ وابن عساكر عن ابن مسعود عن النبيّ ﷺ في قوله :﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ قال : معلماً ومؤدّباً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ يقول : عصياً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى