اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ : هذا لفظ أمرٍ، ومعناه : التعجُّب، وأصحُّ الأعاريب فيه، كما تقرَّر في علم النَّحو : أنَّ فاعله هو المجرور بالباءِ، والباءُ زائدة، وزيادتها لازمةٌ ؛ إصلاحاً للفظ ؛ لأنَّ " أفْعِلْ " أمراً لا يكون إلاَّ ضميراً مستتراً، ولا يجوز حذفُ الباءِ إلاَّ مع أنْ وأنَّ ؛ كقوله :[ الطويل ]
أي : بأنْ تسربل، فالمجرورُ مرفوعُ المحلِّ، ولا ضمير في " أفْعِلْ " ولنا قولٌ ثانٍ : أن الفاعل مضمرٌ، والمراد به المتكلِّمُ ؛ كأنَّ المتكلم يأمر نفسه بذلك، والمجرورُ بعده في محلِّ نصبٍ، ويعزى هذا للزَّجَّاجِ.
ولنا قولٌ ثالثٌ : أن الفاعل ضمير المصدرِ، والمجرور منصوبُ المحلِّ أيضاً، والتقدير : أحسن، يا حُسْنُ، بزيدٍ، ولشبه هذا الفاعل عند الجمهور بالفضلة لفظاً، جاز حذفه للدَّلالةِ عليه كهذه الآية، فإنَّ تقديره : وأبْصِرْ بهم، وفيه أبحاثٌ موضوعها كتبُ النَّحْو.
قالوا : التعجُّب استعظام الشيء، مع الجهل ؛ بسبب عظمه، ثم يجوز استعمالُ لفظ التعجُّب عند مجرَّد الاستعظام من غير خفاءِ السَّبب، أو من غير أن تكون العظمةُ سبب حصوله.
قال الفرَّاء : قال سفيانُ : قرأتُ عن شريحٍ :﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخُرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] فقال : إنَّ الله لا يعجبُ من شيء، إنما يعجبُ من لا يعلم، قال : فذكرتُ ذلك لإبراهيم النخعيِّ -رضي الله عنه- فقال : إنَّ شريحاً شاعر يعجبه علمه، وعبد الله أعلمُ بذلك منه قرأها ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخُرُونَ﴾.
ومعناه : أنَّه صدر من الله تعالى فعلٌ، لو صدر مثله عن الخلق، لدلَّ على حصول التعجُّب في قلوبهم، وبهذا التأويل يضافُ المكرُ والاستهزاءُ إلى الله تعالى، وإذا عرفت هذا، فللتعجُّب صيغتان :
إحداهما : ما أفعلهُ، والثانيةُ أفعل به.
كقوله تعالى :﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ والنحويُّون ذكروا له تأويلان :
الأول : قالوا : أكْرِمْ بزيدٍ، أصل " أكرم زيدٌ " أيك صار ذا كرمٍ، ك " أغَدَّ البَعِيرُ " أي : صار ذا غُدَّة، إلاَّ أنه خرج على لفظ الأمْر، ومعناه الخبرُ، كما أخرج على لفظ الأمر ما معناه الخبر، كما أخرج لفظ الخبر ما معناه الأمر ؛ كقوله سبحانه وتعالى :﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً﴾ [مريم: ٧٥] أي : يمُدُّ له الرحمنُ، والباء زائدةٌ.
الثاني : أن يقال : إنَّه أمرٌ لكُلِّ أحدٍ بأن يجعل زيداً كريماً، أي : بأن يصفه بالكرمِ، والباء زائدةٌ ؛ كما في قوله :﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥].
قال ابن الخطيبِ(٢) : وسمعتُ لبعضِ الأدباء فيه تأويلاً ثالثاً ؛ وهو أن قولك : أكرم بزيدٍ، يفيدُ أنَّ زيداً بلغ في الكرمِ إلى حيثُ كأنَّه في ذاته صار كرماً ؛ حتَّى لو أردتَّ جعل غيره كريماً، فهو الذي يلصقك بمقصودك ويحصِّلُ لك غرضك.
المشهورُ أنَّ معنى قوله :﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ " ما أسمعهُمْ، وما أبْصَرهُم " والتعجُّب على الله تعالى محالٌ، وإنَّما المرادُ أنَّ أسماعهم وأبصارهُم يومئذٍ جديرةٌ بأن يتعجَّب منها بعدما كانُوا صُمًّا عُمياً في الدُّنيا.
وقيل : معناه التَّهديدُ مما يسمعُون وسيبصرُون ما يَسُوءهُمْ، ويصدعُ قلوبهم.
وقال القاضي(٣) : ويحتملُ أن يكون المرادُ : أسمع هؤلاء وأبصرهم، أي : عرِّفهم حال القوم الذين يأتوننا ؛ ليعتبروا وينزجروا.
وقال الجُبَّائيُّ : ويجوز : أسمع النَّاسَ بهؤلاء، وأبصرهم بهؤلاء، ليعرفُوا أمرهُم، وسُوء عاقبتهم، فينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم.
قوله تعالى :﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ معمولٌ ل " أبْصِرْ ". [ ولا يجوز أن يكون معمولاً ل " أسْمِعْ " لأنه لا يفصلُ بين فعلِ التعجُّب، ومعموله ؛ ولذلك كان الصحيح أنه ] لا يجوز أن تكون المسألةُ من التنازع، وقد جوَّزه بعضهم ملتزماً إعمال الثاني، وهو خلافُ قاعدةِ الإعمال، وقيل : بل هو أمرٌ حقيقة، والمأمورُ به رسولُ الله ﷺ والمعنى : أسمعِ النَّاس، وأبصرهم بهم وبحديثهم ماذا يصنعُ بهم من العذاب ؟ وهو منقولٌ عن أبي العالية.
قوله تعالى :﴿لكن الظالمون اليوم﴾.
نصب " اليَوْمَ " بما تضمَّنه الجار من قوله ﴿في ضلالٍ مُبينٍ﴾ أي : لكن الظالمُون استقرُّوا في ضلالٍ مبينٍ اليوم، ولا يجوز أن يكون هذا الظرفُ هو الخبرَ، والجارُّ لغوٌ ؛ لئلا يخبر عن الجثة [ بالزَّمان ؛ بخلاف ] قولك : القتالُ اليوم في دارِ زيدٍ ؛ فإنه يجوز الاعتباران.
المعنى :﴿لكن الظالمون اليوم فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي : خطأ بيِّنٍ، وفي الآخرةِ يعرفُون الحقَّ.
وقيل : لكن الظَّالمُون اليوم في الآخرة في ضلال عن الجنَّة ؛ بخلاف المؤمنين.
وقوله ﴿لكن الظالمون﴾ من إيقاع الظَّاهر موقع المضمر.
| تَرَدَّدَ فيها ضَوْؤُهَا وشُعَاعُهَا | فأحْصِنْ وأزْيِنْ لامرئٍ أنْ تَسَرْبَلا(١) |
ولنا قولٌ ثالثٌ : أن الفاعل ضمير المصدرِ، والمجرور منصوبُ المحلِّ أيضاً، والتقدير : أحسن، يا حُسْنُ، بزيدٍ، ولشبه هذا الفاعل عند الجمهور بالفضلة لفظاً، جاز حذفه للدَّلالةِ عليه كهذه الآية، فإنَّ تقديره : وأبْصِرْ بهم، وفيه أبحاثٌ موضوعها كتبُ النَّحْو.
فصل في التعجب
قالوا : التعجُّب استعظام الشيء، مع الجهل ؛ بسبب عظمه، ثم يجوز استعمالُ لفظ التعجُّب عند مجرَّد الاستعظام من غير خفاءِ السَّبب، أو من غير أن تكون العظمةُ سبب حصوله.
قال الفرَّاء : قال سفيانُ : قرأتُ عن شريحٍ :﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخُرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] فقال : إنَّ الله لا يعجبُ من شيء، إنما يعجبُ من لا يعلم، قال : فذكرتُ ذلك لإبراهيم النخعيِّ -رضي الله عنه- فقال : إنَّ شريحاً شاعر يعجبه علمه، وعبد الله أعلمُ بذلك منه قرأها ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخُرُونَ﴾.
ومعناه : أنَّه صدر من الله تعالى فعلٌ، لو صدر مثله عن الخلق، لدلَّ على حصول التعجُّب في قلوبهم، وبهذا التأويل يضافُ المكرُ والاستهزاءُ إلى الله تعالى، وإذا عرفت هذا، فللتعجُّب صيغتان :
إحداهما : ما أفعلهُ، والثانيةُ أفعل به.
كقوله تعالى :﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ والنحويُّون ذكروا له تأويلان :
الأول : قالوا : أكْرِمْ بزيدٍ، أصل " أكرم زيدٌ " أيك صار ذا كرمٍ، ك " أغَدَّ البَعِيرُ " أي : صار ذا غُدَّة، إلاَّ أنه خرج على لفظ الأمْر، ومعناه الخبرُ، كما أخرج على لفظ الأمر ما معناه الخبر، كما أخرج لفظ الخبر ما معناه الأمر ؛ كقوله سبحانه وتعالى :﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً﴾ [مريم: ٧٥] أي : يمُدُّ له الرحمنُ، والباء زائدةٌ.
الثاني : أن يقال : إنَّه أمرٌ لكُلِّ أحدٍ بأن يجعل زيداً كريماً، أي : بأن يصفه بالكرمِ، والباء زائدةٌ ؛ كما في قوله :﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥].
قال ابن الخطيبِ(٢) : وسمعتُ لبعضِ الأدباء فيه تأويلاً ثالثاً ؛ وهو أن قولك : أكرم بزيدٍ، يفيدُ أنَّ زيداً بلغ في الكرمِ إلى حيثُ كأنَّه في ذاته صار كرماً ؛ حتَّى لو أردتَّ جعل غيره كريماً، فهو الذي يلصقك بمقصودك ويحصِّلُ لك غرضك.
فصل في معنى الآية
المشهورُ أنَّ معنى قوله :﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ " ما أسمعهُمْ، وما أبْصَرهُم " والتعجُّب على الله تعالى محالٌ، وإنَّما المرادُ أنَّ أسماعهم وأبصارهُم يومئذٍ جديرةٌ بأن يتعجَّب منها بعدما كانُوا صُمًّا عُمياً في الدُّنيا.
وقيل : معناه التَّهديدُ مما يسمعُون وسيبصرُون ما يَسُوءهُمْ، ويصدعُ قلوبهم.
وقال القاضي(٣) : ويحتملُ أن يكون المرادُ : أسمع هؤلاء وأبصرهم، أي : عرِّفهم حال القوم الذين يأتوننا ؛ ليعتبروا وينزجروا.
وقال الجُبَّائيُّ : ويجوز : أسمع النَّاسَ بهؤلاء، وأبصرهم بهؤلاء، ليعرفُوا أمرهُم، وسُوء عاقبتهم، فينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم.
قوله تعالى :﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ معمولٌ ل " أبْصِرْ ". [ ولا يجوز أن يكون معمولاً ل " أسْمِعْ " لأنه لا يفصلُ بين فعلِ التعجُّب، ومعموله ؛ ولذلك كان الصحيح أنه ] لا يجوز أن تكون المسألةُ من التنازع، وقد جوَّزه بعضهم ملتزماً إعمال الثاني، وهو خلافُ قاعدةِ الإعمال، وقيل : بل هو أمرٌ حقيقة، والمأمورُ به رسولُ الله ﷺ والمعنى : أسمعِ النَّاس، وأبصرهم بهم وبحديثهم ماذا يصنعُ بهم من العذاب ؟ وهو منقولٌ عن أبي العالية.
قوله تعالى :﴿لكن الظالمون اليوم﴾.
نصب " اليَوْمَ " بما تضمَّنه الجار من قوله ﴿في ضلالٍ مُبينٍ﴾ أي : لكن الظالمُون استقرُّوا في ضلالٍ مبينٍ اليوم، ولا يجوز أن يكون هذا الظرفُ هو الخبرَ، والجارُّ لغوٌ ؛ لئلا يخبر عن الجثة [ بالزَّمان ؛ بخلاف ] قولك : القتالُ اليوم في دارِ زيدٍ ؛ فإنه يجوز الاعتباران.
فصل في معنى الآية
المعنى :﴿لكن الظالمون اليوم فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي : خطأ بيِّنٍ، وفي الآخرةِ يعرفُون الحقَّ.
وقيل : لكن الظَّالمُون اليوم في الآخرة في ضلال عن الجنَّة ؛ بخلاف المؤمنين.
وقوله ﴿لكن الظالمون﴾ من إيقاع الظَّاهر موقع المضمر.
١ البيت لأوس بن حجر، ديوانه ٨٤، المقرب ١/٧٧، الهمع ٢/٩٠، الدرر ٢/١٢٠، التهذيب واللسان "عزل"، الدر المصون ٤/٥٠٧..
٢ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١٨٩..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٢ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١٨٩..
٣ ينظر: المصدر السابق..