اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة﴾ هذا أمرٌ لمحمَّد -صلوات الله عليه وسلم- بأن ينذر من في زمانه، والإنذار : التخويفُ من العذاب، لكي يحذروا ترك عبادةِ الله تعالى، ويوم الحسرة : هو يوم القيامة ؛ لأنَّه يكثر التحسُّر من أهل النَّار.
وقيل : يتحسَّر أيضاً في الجنَّة، إذا لم يكن من السابقين إلى الدَّرجات العالية ؛ لقول رسول الله -صلوات الله عليه وسلامه- :" مَا مِنْ أحدٍ يمُوتُ إلاَّ ندمَ، قالوا : فَما ندمهُ يا رسُول الله ﷺ ؟ قال ﷺ : إنَّ كان مُحْسناً، ندم ألاَّ يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم ألاَّ يكون نزَعَ " (١) والأول أصحُّ ؛ لأن الحسرة [ هَمٌّ ](٢)، ولا تليقُ بأهْل الجنَّة.
قوله :﴿إِذْ قُضِيَ الأمر﴾ : يجوز أن يكون منصوباً بالحسرةِ، والمصدرُ المعرَّفُ ب " ألْ " يعملُ في المفعولِ الصَّريح عند بعضهم، فكيف بالظَّرف ؟ ويجوز أن يكون بدلاً من " يَوْم " فيكون معمولاً ل " أنْذِرْ " كذا قال أبو البقاء(٣)، والزمخشريُّ وتبعهما أبو حيان، ولم يذكر غير البدل، وهذا لا يجوز إن كان الظَّرف باقياً على حقيقته ؛ إذ يستحيلُ أن يعمل المستقبلُ في الماضي، فإن جعلت " اليوم " مفعولاً به، أي : خوِّفهُم نفس اليوم، أي : إنَّهُم يخافُون اليوم نفسهُ، صحَّ ذلك لخُرُوجِ الظَّرف إلى حيِّز المفاعيل الصريحة.

فصل في قوله تعالى ﴿إِذْ قُضِيَ الأمر﴾


في قوله تعالى :﴿إِذْ قُضِيَ الأمر﴾ وجوه :
أحدها : قُضِيَ الأمرُ ببيان الدَّلائل، وشرح أمر الثَّواب والعقاب.
وثانيها :[ إذ قضي الأمرُ يوم الحسرة بفناء الدُّنيا، وزوالِ التَّكليف، والأول أقرب ؛ لقوله :﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
وثالثها :](٤) " إذْ قُضِيَ الأمْرُ " فُرِغَ من الحساب، وأدخل أهل الجنَّة الجنَّة، وأهلُ النَّار النَّار، وذُبح الموتُ ؛ كما روي أنَّه سُئل النبيُّ ﷺ عن قوله :﴿إِذْ قُضِيَ الأمر﴾ فقال :" حِينَ يَجاءُ بالموتِ على صُورة كبشٍ أمْلَحَ، فيذبحُ، والفريقان ينظران ؛ فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحٍ، وأهلُ النَّار غمَّا إلى غمِّ " (٥).
قوله تعالى :﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ جملتان حاليتان، وفيهما قولان :
أحدهما : أنهما حالان من الضمير المستتر في قوله ﴿في ضلال مبين﴾ أي : استقروا في ضلال مبين على هاتين الحالتين السيئتين.
والثاني : أنهما حالان من مفعول " أنذِرْهُم " [ أي : أنذرهُم على هذه الحالِ، وما بعدها، وعلى الأول يكون قوله ﴿وأنْذِرْهُم﴾ ] اعتراضاً.
والمعنى : وهم في غفلةٍ عمَّا يفعلُ بهم في الآخرة ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ولا يصدقون بذلك اليومِ.
١ أخرجه الترمذي (٤/٥٢٢) كتاب الزهد باب ٥٨، رقم (٢٤٠٣) من طريق يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا وقال: هذا حديث إنما تعرفه من هذا الوجه ويحيى بن عبيد الله قد تكلم فيه شعبة.
ومن هذا الوجه أخرجه أبو نعيم (٨/١٧٨) وقال غريب من حديث يحيى لم نكتبه إلا من حديث ابن المبارك..

٢ في ب: غم..
٣ ينظر: الإملاء ٢/١١٤..
٤ سقط من: ب..
٥ أخرجه البخاري (٨/٢٨٢) كتاب التفسير: باب وأنذرهم يوم الحسرة حديث (٤٧٣٠) ومسلم (٤/٢١٨٨) كتاب الجنة: باب النار يدخلها الجبارون حديث (٤٠/٢٨٤٩) من حديث أبي هريرة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى