المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾، الآية، الخطاب أيضاً في هذه الآية لمحمد عليه السلام والضمير في ﴿أنذرهم﴾ لجميع الناس، واختلف في ﴿يوم الحسرة﴾ فقال الجمهور وهو يوم ذبح الموت، وفي هذا حديث صحيح، وقع في البخاري وغيره، أن الموت يجاء به في صورة كبش أملح، وفي بعض الطرق كأنه كبش أملح، وقال عبيد بن عمير كأنه دابة فيذبح على الصراط بين الجنة والنار وينادى : يا أهل الجنة خلود لا موت فيها ويا أهل النار خلود لا موت، ويروى أن أهل النار يشرئبون خوفاً على ما هم فيه(١). والأمر المقضي، هو ذبح الكبش الذي هو مثال الموت وهذا عند حذاق العلماء، كما يقال : تدفن الغوائل وتجعل التراب تحت القدم، ونحو ذلك، وعند ذلك تصيب أهل النار حسرة لا حسرة مثلها، وقال ابن زيد وغيره ﴿يوم الحسرة﴾ هو يوم القيامة، وذلك أن أهل النار قد حصلوا من أول أمرهم في سخط الله وأمارته فهم في حال حسرة، و «الأمر المقضي » على هذا هو الحتم عليهم بالعذاب وظهور إنفاذ ذلك عليهم، وقال ابن مسعود ﴿يوم الحسرة﴾ حين يرى الكفار مقاعدهم التي فاتتهم في الجنة لو كانوا مؤمنين، ويحتمل ان يكون ﴿يوم الحسرة﴾ اسم جنس لأن هذه حسرات كثيرة في مواطن عدة، ومنها يوم الموت ومنها وقت أخذ الكتاب بالشمال وغير ذلك.
وقوله ﴿وهم في غفلة﴾، يريد في الدنيا الآن ﴿وهم لا يؤمنون﴾ كذلك.
١ حديث ذبح الموت أخرجه البخاري، عن ابن عمر، ومسلم عن أبي سعيد الخدري، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، والترمذي عن أبي سعيد يرفعه، وقال فيه: حديث حسن صحيح، ولفظه كما في صحيح مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار الناريجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح ـ أي نقي البياض، أو بياضه أكثر من سواده ـ فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يأهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت ـ قال ـ ثم يقال: يأهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يأهل الجنة خلود فلا موت، ويأهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾.
.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى