البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
اشتعال النار تفرقها في التهابها فصارت شعلاً. وقيل : شعاع النار. الشيب معروف، شاب شعره أبيّض بعدما كان بلون غيره.
﴿قال رب إني وهن العظم مني﴾ هذه كيفية دعائه وتفسير ندائه.
وقرأ الجمهور :﴿وهن﴾ بفتح الهاء.
وقرأ الأعمش بكسرها.
وقرئ بضمها لغات ثلاث، ومعناه ضعف وأسند الوهن إلى العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى ما وراءه وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه فإذا وهن كان ما وراءه أوهن ووحد ﴿العظم﴾ لأنه يدل على الجنس، وقصد إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ولو جمع لكان قصداً آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها.
وقال قتادة : اشتكى سقوط الأضراس.
قال الكرماني : وكان له سبعون سنة.
وقيل : خمس وسبعون.
وقيل : خمس وثمانون.
وقيل : ستون.
وقيل : خمس وستون.
وشبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزاً ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكرياء فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة قاله الزمخشري، وإلى هذا نظر ابن دريد.
فقال :
واشتعل المبيض في مسودهمثل اشتعال النار في جزل الغضا
وبعضهم أعرب ﴿شيباً﴾ مصدراً قال : لأن معنى ﴿واشتعل الرأس﴾ شاب فهو مصدر من المعنى.
وقيل : هو مصدر في موضع نصب على الحال، واشتعال الرأس استعارة المحسوس للمحسوس إذ المستعار منه النار والمستعار له الشيب، والجامع بينهما الانبساط والانتشار ﴿ولم أكن﴾ نفي فيما مضى أي ما كنت ﴿بدعائك رب شقياً﴾ بل كنت سعيداً موفقاً إذ كنت تجيب دعائي فأسعد بذلك، فعلى هذا الكاف مفعول.
وقيل : المعنى ﴿بدعائك﴾ إلى الإيمان ﴿شقياً﴾ بل كنت ممن أطاعك وعبدك مخلصاً.
فالكاف على هذا فاعل والأظهر الأول شكراً لله تعالى بما سلف إليه من إنعامه عليه، أي قد أحسنت إليّ فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن تجيبني آخر كما أجبتني أولاً.
وروي أن حاتماً الطائي أتاه طالب حاجة فقال : أنا أحسنت إليك وقت كذا، فقال حاتم : مرحباً بالذي توسل بنا إلينا وقضى حاجته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى