زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه التخالف عند شرب الخمر، قاله مقاتل.
والثاني : ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه، قاله الزجاج. وقال ابن الأنباري : اللغو في العربية : الفاسد المطرح.
قوله تعالى :﴿إِلاَّ سَلَاماً﴾ قال أبو عبيدة : السلام ليس من اللغو، والعرب تستثني الشيء بعد الشيء وليس منه، وذلك أنها تضمر فيه، فالمعنى : إلا أنها يسمعون فيها سلاماً. وقال ابن الأنباري : استثنى السلام من غير جنسه، وفي ذلك توكيد للمعنى المقصود، لأنهم إذا لم يسمعوا من اللغو إلا السلام، فليس يسمعون لغواً البتة، وكذلك قوله :﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] إذا لم يخرج من عداوتهم لي غير رب العالمين، فكلهم عدو.
وفي معنى هذا السلام قولان :
أحدهما : أنه تسليم الملائكة عليهم، قاله مقاتل.
والثاني : أنهم لا يسمعون إلا ما يسلمهم، ولا يسمعون ما يؤثمهم، قاله الزجاج.
قوله تعالى :﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ قال المفسرون : ليس في الجنة بكرة ولا عشية، ولكنهم يؤتون برزقهم على مقدار ما كانوا يعرفون في الغداة والعشي. قال الحسن : كانت العرب لا تعرف شيئا من العيش أفضل من الغداء والعشاء، فذكر الله لهم ذلك. وقال قتادة : كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجب به، فأخبر الله أن لهم في الجنة رزقهم بكرة وعشياً على قدر ذلك الوقت، وليس ثم ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور. وروى الوليد ابن مسلم قال : سألت زهير بن محمد عن قوله تعالى :﴿بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ فقال : ليس في الجنة ليل ولا نهار، هم في نور أبدا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى