زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ في الكلام إضمار تقديره : وما منكم أحد إلا وهو واردها.
وفيمن عني بهذا الخطاب قولان :
أحدهما : أنه عام في حق المؤمن والكافر، هذا قول الأكثرين. وروي عن ابن عباس أنه قال : هذه الآية للكفار. وأكثر الروايات عنه كالقول الأول. قال ابن الأنباري : ووجه هذا أنه لما قال :﴿لنحضرنهم﴾ وقال :﴿أيهم أشد على الرحمن عتياً﴾ كان التقدير : وإن منهم، فأبدلت الكاف من الهاء، كما فعل في قوله :﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء﴾ [الإنسان: ٢٢] المعنى : كان لهم، لأنه مردود على قوله :﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الإنسان: ٢١] وقال الشاعر :
أراد : طلابها. وفي هذا الورود خمسة أقوال :
أحدها : أنه الدخول. روى جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ أنه قال :" الورود : الدخول ؛ لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار أو قال : لجهنم ضجيجاً من بردهم ". وروي عن ابن عباس أنه سأله نافع بن الأزرق عن هذه الآية، فقال له : أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر أيخرجنا الله عز وجل منها، أم لا ؟ فاحتج بقوله تعالى ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨] وبقوله تعالى :﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وكان عبد الله ابن رواحة يبكي ويقول أنبئت أني وارد، ولم أنبأ أني صادر. وحكى الحسن البصري أن رجلا قال لأخيه : يا أخي هل أتاك أنك وارد النار ؟ قال : نعم ؛ قال : فهل أتاك أنك خارج منها ؟ قال : لا ؛ قال : ففيم الضحك ؟ ! وقال خالد بن معدان : إذا دخل أهل الجنة الجنة، قالوا : ألم يعدنا ربنا أن نرد النار ؟ فيقال لهم : بلى، ولكن مررتم بها وهي خامدة.
وممن ذهب إلى أنه الدخول : الحسن في رواية، وأبو مالك. وقد اعترض على أرباب هذا القول بأشياء. فقال الزجاج : العرب تقول : وردت بلد كذا، ووردت ماء كذا، إذا أشرفوا عليه وإن لم يدخلوا، ومنه قوله تعالى :﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٣٣] والحجة القاطعة في هذا القول قوله تعالى :﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢] وقال زهير :
أي : لما بلغن الماء قمن عليه.
قلت : وقد أجاب بعضهم عن هذه الحجج، فقال : أما الآية الأولى، فان موسى لما أقام حتى استقى الماء وسقى الغنم، كان بلبثه ومباشرته كأنه دخل ؛ وأما الآية الأخرى : فإنها تضمنت الإِخبار عن أهل الجنة حين كونهم فيها، وحينئذ لا يسمعون حسيسها. وقد روينا آنفاً عن خالد بن معدان أنهم يمرون بها، ولا يعلمون.
والثاني : أن الورود : الممر عليها، قاله عبد الله بن مسعود، وقتادة. وقال ابن مسعود : يرد الناس النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله، ثم كشد الرحل، ثم كمشيه.
والثالث : أن ورودها : حضورها، قاله عبيد بن عمير.
والرابع : أن ورود المسلمين : المرور على الجسر، وورود المشركين : دخولها. قاله ابن زيد.
والخامس : أن ورود المؤمن إليها : ما يصيبه من الحمى في الدنيا، روى عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه قال : الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ :﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فعلى هذا من حم من المسلمين، فقد وردها.
قوله تعالى :﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ يعني : الورود ﴿حَتْماً﴾ والحتم : إيجاب القضاء، والقطع بالأمر. والمقضي : الذي قضاه الله تعالى، والمعنى : إنه حتم ذلك وقضاه على الخلق.
وفيمن عني بهذا الخطاب قولان :
أحدهما : أنه عام في حق المؤمن والكافر، هذا قول الأكثرين. وروي عن ابن عباس أنه قال : هذه الآية للكفار. وأكثر الروايات عنه كالقول الأول. قال ابن الأنباري : ووجه هذا أنه لما قال :﴿لنحضرنهم﴾ وقال :﴿أيهم أشد على الرحمن عتياً﴾ كان التقدير : وإن منهم، فأبدلت الكاف من الهاء، كما فعل في قوله :﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء﴾ [الإنسان: ٢٢] المعنى : كان لهم، لأنه مردود على قوله :﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الإنسان: ٢١] وقال الشاعر :
| شطت مزار العاشقين فأصبحت | عسرا علي طلابك ابنة مخرم |
أحدها : أنه الدخول. روى جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ أنه قال :" الورود : الدخول ؛ لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار أو قال : لجهنم ضجيجاً من بردهم ". وروي عن ابن عباس أنه سأله نافع بن الأزرق عن هذه الآية، فقال له : أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر أيخرجنا الله عز وجل منها، أم لا ؟ فاحتج بقوله تعالى ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨] وبقوله تعالى :﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وكان عبد الله ابن رواحة يبكي ويقول أنبئت أني وارد، ولم أنبأ أني صادر. وحكى الحسن البصري أن رجلا قال لأخيه : يا أخي هل أتاك أنك وارد النار ؟ قال : نعم ؛ قال : فهل أتاك أنك خارج منها ؟ قال : لا ؛ قال : ففيم الضحك ؟ ! وقال خالد بن معدان : إذا دخل أهل الجنة الجنة، قالوا : ألم يعدنا ربنا أن نرد النار ؟ فيقال لهم : بلى، ولكن مررتم بها وهي خامدة.
وممن ذهب إلى أنه الدخول : الحسن في رواية، وأبو مالك. وقد اعترض على أرباب هذا القول بأشياء. فقال الزجاج : العرب تقول : وردت بلد كذا، ووردت ماء كذا، إذا أشرفوا عليه وإن لم يدخلوا، ومنه قوله تعالى :﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٣٣] والحجة القاطعة في هذا القول قوله تعالى :﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢] وقال زهير :
| فلما وردن الماء زرقا جمامهُ | وضعن عصي الحاضر المتخيم |
قلت : وقد أجاب بعضهم عن هذه الحجج، فقال : أما الآية الأولى، فان موسى لما أقام حتى استقى الماء وسقى الغنم، كان بلبثه ومباشرته كأنه دخل ؛ وأما الآية الأخرى : فإنها تضمنت الإِخبار عن أهل الجنة حين كونهم فيها، وحينئذ لا يسمعون حسيسها. وقد روينا آنفاً عن خالد بن معدان أنهم يمرون بها، ولا يعلمون.
والثاني : أن الورود : الممر عليها، قاله عبد الله بن مسعود، وقتادة. وقال ابن مسعود : يرد الناس النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله، ثم كشد الرحل، ثم كمشيه.
والثالث : أن ورودها : حضورها، قاله عبيد بن عمير.
والرابع : أن ورود المسلمين : المرور على الجسر، وورود المشركين : دخولها. قاله ابن زيد.
والخامس : أن ورود المؤمن إليها : ما يصيبه من الحمى في الدنيا، روى عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه قال : الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ :﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فعلى هذا من حم من المسلمين، فقد وردها.
قوله تعالى :﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ يعني : الورود ﴿حَتْماً﴾ والحتم : إيجاب القضاء، والقطع بالأمر. والمقضي : الذي قضاه الله تعالى، والمعنى : إنه حتم ذلك وقضاه على الخلق.