كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني
عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ؛ اختلَفُوا في الخطاب الذي في أوَّل هذه الآيةِ، قال بعضُهم : هو راجعٌ إلى الكفارِ ؛ لأنه تقدَّمَه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً﴾[مريم: ٧٠]، وقالَ الأكثرون : هذا خطابٌ مبتدَأ لجميعِ الخلقِ، ودليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ﴾ ؛ أي نُنْجِي مِن الواردينَ مَنِ اتَّقَى.
ثُم اخْتَلَفَ هؤلاءِ أيضاً في معنى الْوُرُودِ، قال بعضُهم : هو الدُّخُولُ كما في قولهِ تعالى﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾[هود: ٩٨] أي أدْخَلَهم النارَ، وقالوا : إلاّ أنَّها تكونُ على المؤمنينَ بَرْداً وسَلاماً، واستدلُّوا بما روى جابرٌ رضي الله عنه : أنَّهُ أهْوَى بيَدَيْهِ إلَى أُذُنَيْهِ وَقَالَ : صُمَّتا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" الْوَرُودُ الدُّخُولُ، لاَ يَبْقَى بَرٌّ وَلاَ فَاجِرٌ إلاَّ دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ بَرْداً وَسَلاَماً، كَمَا كَانَتْ عَلَى إبْرَاهِيْمَ، حَتَّى أنَّ لِلنَّارِ ضَجِيْجاً بوُرُودِهِم " ". وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاَثةُ أوْلاَدٍ لَمْ يَلِجِ النَّارَ إلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، ثُمَّ قَرَأ :﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ".
ومعنى القَسَمِ : أن أولَ هذه الآيةِ فيها إضمارُ القَسَمِ ؛ تقديرهُ : وَاللهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاَّ وَارِدُهَا، ورُويَ عن ابنِ مسعود أنهُ قال :" الصِّرَاطُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ، تَمُرُّ عَلَيْهِ الطَّائِفَةُ الأُوْلَى كَالْبَرْقِ، وَالثَّانِيَةُ كَالرِّيْحِ، وَالثَّالِثَةُ كَالْجَوَادِ السَّابقِ، وَالرَّابعَةُ كَأَجْوَدِ الْبَهَائِمِ، ثُمَّ يَمُرُّونَ وَالْمَلاَئِكَةُ يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ ؛ اللَّهُمَّ سَلِّمْ "
وعن أبي هريرةَ : أنَّهُ أوَى إلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ :(يَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، فَقَالَتِ امْرَأتُهُ مَيْسَرَةُ : إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ، هَدَاكَ إلَى الإسْلاَمِ. قَالَ : أجَلْ ؛ وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ لَنَا أنَّا لَوَارِدُونَ النَّارَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أنَّا خَارجُونَ مِنْهَا).
وقال بعضُهم : الورودُ هو الإشرافُ على النار بلا دخولٍ ؛ لأن موضعَ المحاسبةِ يكون قريباً من النار، وقد قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾[القصص: ٢٣] ولَم يكن موسى دَخَلَ الماءَ، واستدَلُّوا بما روي أن النبيِّ ﷺ قالَ :" لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ - إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى - وَاحِدٌ شَهِدَ بَدْراً أو الْحُدَيْبيَةَ ".
وعن مجاهدٍ أنهُ قالَ :(الْحُمَّى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النَّارِ). فعلَى هذا مَن حَمَّ مِن المسلمينَ فقد وَرَدَهَا، لأن الْحُمَّى مِن فَيْحِ جهنَّم.
" وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ عَادَ مَرِيْضاً مِنْ وَعَكٍ كَانَ بهِ، فَقَالَ لَهُ :" أبْشِرْ ؛ إنَّ اللهَ يَقُولُ : هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّار ".
قال الزجَّاجُ :(وَالْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى أنَّهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ النَّارَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾[الأنبياء: ١٠١-١٠٢]) وهذهِ حُجَّةٌ لا معارضَ لَها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ ؛ الْحَتْمُ : القطعُ بالأمرِ، والمقضيُّ هو الذي قَضَى بأنه يكونُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ ؛ أي الذينَ اتَّقوا الشركَ وصدَّقوا، ﴿وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ ؛ أي وَنَذرُ المشركينَ فيها جِثِيّاً على الرُّكب.
ثُم اخْتَلَفَ هؤلاءِ أيضاً في معنى الْوُرُودِ، قال بعضُهم : هو الدُّخُولُ كما في قولهِ تعالى﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾[هود: ٩٨] أي أدْخَلَهم النارَ، وقالوا : إلاّ أنَّها تكونُ على المؤمنينَ بَرْداً وسَلاماً، واستدلُّوا بما روى جابرٌ رضي الله عنه : أنَّهُ أهْوَى بيَدَيْهِ إلَى أُذُنَيْهِ وَقَالَ : صُمَّتا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" الْوَرُودُ الدُّخُولُ، لاَ يَبْقَى بَرٌّ وَلاَ فَاجِرٌ إلاَّ دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ بَرْداً وَسَلاَماً، كَمَا كَانَتْ عَلَى إبْرَاهِيْمَ، حَتَّى أنَّ لِلنَّارِ ضَجِيْجاً بوُرُودِهِم " ". وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاَثةُ أوْلاَدٍ لَمْ يَلِجِ النَّارَ إلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، ثُمَّ قَرَأ :﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ".
ومعنى القَسَمِ : أن أولَ هذه الآيةِ فيها إضمارُ القَسَمِ ؛ تقديرهُ : وَاللهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاَّ وَارِدُهَا، ورُويَ عن ابنِ مسعود أنهُ قال :" الصِّرَاطُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ، تَمُرُّ عَلَيْهِ الطَّائِفَةُ الأُوْلَى كَالْبَرْقِ، وَالثَّانِيَةُ كَالرِّيْحِ، وَالثَّالِثَةُ كَالْجَوَادِ السَّابقِ، وَالرَّابعَةُ كَأَجْوَدِ الْبَهَائِمِ، ثُمَّ يَمُرُّونَ وَالْمَلاَئِكَةُ يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ ؛ اللَّهُمَّ سَلِّمْ "
وعن أبي هريرةَ : أنَّهُ أوَى إلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ :(يَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، فَقَالَتِ امْرَأتُهُ مَيْسَرَةُ : إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ، هَدَاكَ إلَى الإسْلاَمِ. قَالَ : أجَلْ ؛ وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ لَنَا أنَّا لَوَارِدُونَ النَّارَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أنَّا خَارجُونَ مِنْهَا).
وقال بعضُهم : الورودُ هو الإشرافُ على النار بلا دخولٍ ؛ لأن موضعَ المحاسبةِ يكون قريباً من النار، وقد قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾[القصص: ٢٣] ولَم يكن موسى دَخَلَ الماءَ، واستدَلُّوا بما روي أن النبيِّ ﷺ قالَ :" لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ - إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى - وَاحِدٌ شَهِدَ بَدْراً أو الْحُدَيْبيَةَ ".
وعن مجاهدٍ أنهُ قالَ :(الْحُمَّى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النَّارِ). فعلَى هذا مَن حَمَّ مِن المسلمينَ فقد وَرَدَهَا، لأن الْحُمَّى مِن فَيْحِ جهنَّم.
" وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ عَادَ مَرِيْضاً مِنْ وَعَكٍ كَانَ بهِ، فَقَالَ لَهُ :" أبْشِرْ ؛ إنَّ اللهَ يَقُولُ : هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّار ".
قال الزجَّاجُ :(وَالْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى أنَّهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ النَّارَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾[الأنبياء: ١٠١-١٠٢]) وهذهِ حُجَّةٌ لا معارضَ لَها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ ؛ الْحَتْمُ : القطعُ بالأمرِ، والمقضيُّ هو الذي قَضَى بأنه يكونُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ ؛ أي الذينَ اتَّقوا الشركَ وصدَّقوا، ﴿وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ ؛ أي وَنَذرُ المشركينَ فيها جِثِيّاً على الرُّكب.