البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الري : مصدر رويت من الماء، واسم مفعول أي مروي قاله أبو علي.
الزي : محاسن مجموعة من الزي وهو الجمع.
ثم ذكر تعالى كثرة ما أهلك من القرون ممن كان أحسن حالاً منهم في الدنيا تنبيهاً على أنه تعالى يهلكهم ويستأصل شأفتهم كما فعل بغيرهم واتعاظاً لهم إن كانوا ممن يتعظ، ولم يغن عنهم ما كانوا فيه من حسن الأثاث والري، ويعني إهلاك تكذيب لما جاءت به الرسل.
و ﴿من قرن﴾ تبيين لكم و ﴿كم﴾ مفعول بأهلكنا.
وقال الزمخشري : و ﴿هم أحسن﴾ في محل النصب صفة لكم.
ألا ترى أنك لو تركت ﴿هم﴾ لم يكن لك بد من نصب ﴿أحسن﴾ على الوصفية انتهى.
وتابعه أبو البقاء على أن ﴿هم أحسن﴾ صفة لكم، ونص أصحابنا على أن ﴿كم﴾ الاستفهامية والخبرية لا توصف ولا يوصف بها، فعلى هذا يكون ﴿هم أحسن﴾ في موضع الصفة لقرن، وجمع لأن القرن هو مشتمل على أفراد كثيرة فروعي معناه، ولو أفرد الضمير على اللفظ لكان عربياً فصار كلفظ جميع.
قال ﴿لما جميع لدينا محضرون﴾ وقال : نحن جميع منتصر فوصفه بالجمع وبالمفرد وتقدم تفسير الأثاث في سورة النحل.
وقرأ الجمهور ﴿ورئياً﴾ بالهمزة من رؤية العين فعل بمعنى مفعول كالطحن والسقي.
وقال ابن عباس : الرئي المنظر.
وقال الحسن : معناه صوراً.
وقال الزهري وأبو جعفر وشيبة وطلحة في رواية الهمداني وأيواب وابن سعدان وابن ذكوان وقالون ورياً بتشديد الياء من غير همز، فاحتمل أن يكون مهموز الأصل من الرواء والمنظر سهلت همزته بإبدالها ياء ثم أدغمت الياء في الياء، واحتمل أن يكون من الريّ ضد العطش لأن الريان من الماء له من الحسن والنضارة ما يستحب ويستحن، كماله منظر حسن من وجه آخر مما يرى ويقابل.
وقرأ أبو بكر في رواية الأعمش عن عاصم وحميد ﴿ورئياً﴾ بياء ساكنة بعدها همزة وهو على القلب ووزنه فلعا، وكأنه من راء.
قال الشاعر :
وكل خليل رآني فهو قائلمن أجل هذا هامة اليوم أو غد
وقرىء ورياءً بياء بعدها ألف بعدها همزة، حكاها اليزيدي وأصله ورئاء من المراءاة أي يرى بعضهم بعضاً حسنه.
وقرأ ابن عباس، فيما روي عنه طلحة ورياً من غير همز ولا تشديد، فتجاسر بعض الناس وقال هي لحن وليس كذلك بل لها توجيه بأن تكون من الرواء، وقلب فصار ﴿ورئياً﴾ ثم نقلت حركة الهمزة إلى الياء وحذفت، أو بأن تكون من الريّ وحذفت إحدى الياءين تخفيفاً كما حذفت في لا سيما، والمحذوفة الثانية لأنها لام الكلمة لأن النقل إنما حصل للكلمة بانضمامها إلى الأولى فهي أولى بالحذف.
وقرأ ابن عباس أيضاً وابن جبير ويزيد البربري والأعسم المكي وزياً بالزاي مشدد الياء وهي البزة الحسنة، والآلات المجتمعة المستحسنة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى