التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك لونا آخر من ألوان تبجحهم، وأقوالهم الباطلة، وردت عليها بأسلوب منطقي حكيم فقال - تعالى - :﴿أَفَرَأَيْتَ الذي...﴾.
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه البخارى ومسلم عن خباب بن الأرب قال : جئت العاص بن وائل السهمى أتقاضاه حقا لى عنده، فقال لى : لا أعطيك حتى تكفر بمحمد - ﷺ - فقلت له : لا، والله لا أكفر بمحمد - ﷺ - حيا ولا ميتاولا إذا بعثت، فقال العاص : فإذا بعثت جئتنى ولى هناك مال وولد فأعطيك حقك، فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات.
وفى رواية أن رجالا من أصحاب النبى - ﷺ - أتوا العاص يتقاضون دينا لهم عليه فقال : ألستم تزعمون أن فى الجنة ذهبا وفضة وحريرا ومن كل الثمرات ؟ قالوا : بلى. قال : " موعدكم الآخرة والله لأوتين مالا وولدا ".
والاستفهام فى قوله - سبحانه - ﴿أَفَرَأَيْتَ..﴾ للتعجيب من شأن هذا الكافر الجهول والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام، والتقدير : أنظرت أيها العاقل فرأيت هذا الجاحد الجهول الذى كفر بآياتنا الدالة على وحدانيتنا، وعلى أن البعث حق، وعلى أن ما جاء به رسولنا - ﷺ - حق وصدق....
ولم يكتف بهذا الكفر، بل قال بكل تبجح، وإصرار على الباطل، واستهزاء بالدين الحق : والله ﴿لأُوتَيَنَّ﴾ فى الآخرة ﴿مَالاً وَوَلَداً﴾ كما هو حالى فى الدنيا.
فأنت ترى أن هذالكفار لم يكتف بكفره، بل أضاف إليه القول الباطل المصحوب بالقسم الكاذب، وبالتهكم بالدين الحق.
وقرأ حمزة والكسائى :﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوُلْداً﴾ - بضم الواو الثانية وسكون اللام -، وقرأ الباقون بفتحهما. قالوا : والقراءتان بمعنى واحد كالعرب والعرُب. ويرى بعضهم الولد بالفتح للمفرد، والولد - بضم الواو وسكون اللام - للجمع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى