اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿يا زكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ﴾.
اختلفُوا في المنادي، فالأكثرون على أنَّه هو الله تعالى ؛ لأنَّ زكريَّا إنَّما كان يخاطبُ الله تعالى، ويسأله بقوله :﴿رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي﴾، وبقوله :﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ وبقوله :﴿فهب لي﴾، وبقوله بعده :﴿رب أنّى يكون لي غُلاَمٌ﴾، فوجب أن يكون هذا النداءُ من الله تعالى، وإلاّ لفسد [ المعنى و ](١) النَّظْم، وقيل : هذا النداءُ من الملكِ ؛ لقوله :﴿فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المحراب أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بيحيى﴾ [آل عمران: ٣٩].
وأيضاً : فإنه لمَّا قال :﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩].
وهذا لا يجوزُ أن يكونَ كلام الله ؛ فوجب أن يكون كلام الملكِ.
ويمكنُ أن يكون قوله :﴿قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ﴾ من كلام الله تعالى، كما سيأتي ببيانه -إن شاء الله تعالى-.
[ في ] الكلام اختصار، تقديره : استجاب الله دعاءهُ، فقال :﴿يا زكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ﴾ : بولدٍ، ويقال : زكريَّا " بالمد والقصر "، ويقال : زكرَى أيضاً، نقله ابن كثيرٍ.
فإن قيل : كان دعاؤهُ بإذنٍ، فما معنى البشارة ؟ وإن كان بغير إذنٍ ؛ فلماذا أقدم عليه ؟.
فالجوابُ(٢) : يجوز أن يسأل بغير إذن، ويحتمل أنَّه أذن له فيه، ولم يعلمْ وقته، فبُشِّر به.
قوله :﴿يَحْيَى﴾ : فيه قولان :
أحدهما : أنه اسمٌ أعجميٌّ، لا اشتقاق له، وهذا هو الظاهرُ، ومنعهُ من الصَّرف ؛ للعلميَّة والعجمةِ، وقيل : بل هو منقولٌ من الفعلِ المضارعِ، كما سمَّوا ب " يَعْمُرَ " و " يعيشَ " و " يَمُوتَ " وهو يموت بنُ المُزرَّع.
والجملة من قوله :﴿اسْمُهُ يَحْيى﴾ في محلِّ جرِّ صفة ل " غُلام " وكذلك " لم نجعلْ " و " سَمِيًّا " كقوله :" رَضيًّا " إعراباً وتصريفاً، لأنَّه من السُّمُوِّ، وفيه دلالةٌ لقول البصريين : أن الاسم من السموِّ، ولو كان من الوسم، لقيل : وسيماً.

فصل


قال ابن عباسٍ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وعكرمةُ، وقتادةُ : إنَّه لم يسمَّ أحدٌ قبله بهذا الاسم(٣).
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ، وعطاء : لم نجعل له شبهاً ومثلاً(٤) ؛ لقوله تعالى :﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥] أي : مثلاً.
والمعنى : أنه لم يكن له مثلٌ ؛ لأنَّهُ لم يعصِ، ولم يهُمَّ بمعصية قط ؛ كأنَّه جواب لقوله ﴿واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾ فقيل له : إنَّا نُبشِّرُكَ بغلامٍ، لم نجْعل له شبيهاً في الدِّين، ومنْ كان كذلك، كان في غايةِ الرضا.
وفي هذا نظرٌ ؛ لأنَّه يقتضي تفضيلُه على الأنبياءِ قبله ؛ كآدَمَ، ونوحٍ، وإبراهيم، وموسى، [ وعيسى ](٥) ؛ وذلك باطلٌ.
وقيل : لم يكن له مثلٌ في أمر النِّساء ؛ لأنَّه كان سيِّداً وحصوراً.
وقال عليٌّ بنُ أبي(٦) طلحة، عن ابن عبَّاس : لم تَلدِ العواقرُ مثلهُ(٧) ولداً. وقيل : لأنَّ كُلَّ الناس، إنما يُسمُّونهم آباؤهم وأمهاتهم بعد دخولهم في الوجود، وأما يحيى فإنَّ الله سمَّاه قبل دخوله في الوجود، فكان ذلك من خواصِّه.
وقيل : لأنَّه ولدُ شيخٍ، وعجوزٍ عاقرٍ.

فصل في سبب تسميته بيحيى(٨)


واختلفُوا في سبب تسميته بيحيى، فعن ابن عبَّاس : لأنَّ الله أحيا به عقر أمه، ويرد على هذا قصَّة إبراهيم، وزوجته، قالت :﴿يا ويلتا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود: ٧٢] فينبغي أن يكون اسمُ ولدهم يحيى.
وعن قتادة : لأنَّ الله تعالى أحيا قلبهُ بالإيمانِ والطَّاعة، والله تعالى سمَّى المطيعَ حيًّا، والعاصِيَ ميِّتاً ؛ بقوله :﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وقال :﴿إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقيل : لأنَّ الله تعالى أحياه بالطَّاعة ؛ حتى لم يعص، ولم يهُمَّ بمعصيةٍ.
قال رسول الله ﷺ " ما مِنْ أحدٍ إلاَّ وقد عَصَى، أو هَمَّ إلاَّ يحيى بنُ زكريَّا، فإنَّه لَمْ يهُمَّ ولَمْ يَعْملهَا " (٩) وفي هذا نظر ؛ لأنه كان ينبغي أن تسمى الأنبياء كلهم والأولياء ب " يحيى ".
وقال ابن القاسم بن حبيب : لأنه استشهد، والشهداء أحياء عند ربهم، قال تعالى :﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وفي ذلك نظر ؛ لأنه كان يلزم منه أن يُسَمَّى الشهداءُ كلُّهم بيَحْيَى.
وقال عمرو بنُ المقدسيِّ(١٠) : أوحى الله تعالى، إلى إبراهيم -عليه السلام- أنه قُلْ لسارَّة بأنِّي مخرجٌ منها عبداً، لا يَهُمُّ بمعصيةٍ اسمه حيى، فقال : هَبِي لهُ من اسمكِ حرفاً، فوهبته حرفاً من اسمها، فصار يَحْيَى، وكان اسمُها يسارة، فصار اسمها سارة.
وقيل : لأنَّ يحيى أوَّلُ من آمن بعيسى، فصار قلبه حبًّا بذلك الإيمانِ.
وقيل : إنَّ أمَّ يحيى كانت حاملاً به، فاستقبلتها مريم، وقد حملت بعيسى، فقالت لها أمُّ يحيى : يا مريمُ، أحاملٌ أنت ؟ فقالت : لم تقولين ؟ فقالت : أرى ما في بطني يسجُد لما في بطنك.
١ زيادة من أ..
٢ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١٥٨..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣١٠) عن قتادة وابن جريج وابن زيد والسدي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٤٦٨) عن قتادة وعزاه إلى عبد الرزاق وأحمد في "الزهد" وعبد بن حميد.
وأخرجه الحاكم (٢/٣٧٢) عن ابن عباس.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٤٦٨) وزاد نسبته إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم..

٤ أخرجه الطبري (٨/٣١٠) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٤٦٨) وعزاه إلى أحمد في "الزهد" وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٥ زيادة من أ..
٦ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٨٩..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٠٩) عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٤٦٨) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم..
٨ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١٥٩..
٩ أخرجه أحمد (١/٢٥٤، ٢٩٢) من حديث ابن عباس وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/٢١٢) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني وفيه علي بن زيد وضعفه الجمهور وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح..
١٠ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١٥٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى