الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وكذلك سوقُ المجرمين إنما هو لدخُولِ النَّارِ. و﴿وَفْداً﴾ قال المفسرون : معناه رُكْباناً، وهي عادةُ الوفود لأَنهم سَرَاةُ الناسِ، وأَحسنهم شَكْلاً، وإنما شَبَّههم بالوفْدِ هيئة، وكرامة، وروي عن عَلِيِّ رضي اللّه عنه أَنهم يَجِيئُونَ رُكْباناً على النُّوقِ المحلاَّة بحِلْيةِ الجنَّة : خطمُها من يَاقُوتٍ، وزَبَرْجَدٍ، ونحو هذا. وروى عمرو بْنُ قيس المَلاَّئِي : أنهم يركبون على تماثيل مِنْ أَعمالهم الصَّالِحة، وهي في غَاية الحُسْن، وروي : أَنه يركب كُلُّ واحدٍ منهم ما أَحبَّ فمنهم : مَنْ يركبُ الإبلَ، ومنهم : مَنْ يركب الخَيْلَ، ومنهم مَنْ يركب السُّفُنَ، فتجيء عَائِمةٌ بهم، وقد ورد في «الضَّحَايَا » : أَنها مَطَايَاكُمْ إلَى الجَنَّةِ وأَكْثَر هذه فيها ضَعْفٌ مِنْ جهة الإِسْناد. والسَّوْقُ : يتضمن هَوَاناً، والورودُ : العطاش، قاله ابن عباس وأَبُو هريرة، والحَسَنُ. واختُلِفَ في الضَّمِير في قوله :﴿لاَّ يَمْلِكُونَ﴾ [مريم: ٨٧].
فقالت فِرْقةٌ : هو عائد على ﴿المجرمين﴾ أي : لا يملكون أَنْ يَشْفَعَ لهم وعلى هذا فالاِسْتِثْنَاءُ مُنقَطِع، أيْ : لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً يشفعُ له، والعهدُ عَلَى هذا الأَيْمان، وقال ابنُ عباسٍ : العهدُ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللّهُ، وفي الحدِيث : يقول اللّهُ تعالى يَوْمَ القِيَامة :( مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ، فَلْيَقُمْ ). قال ( ع ) : ويحتمل : أَنْ يكون المجرمون يعمُّ الكَفَرَةَ والعُصَاة، أيْ : إلاَّ من اتخذ عند الرحمن عَهْداً من عُصَاةِ المؤْمِنِينَ فإنه يشفع لهم، ويكون الاِسْتِثْناء مُتَّصِلاً. وقالت فِرْقَةٌ : الضميرُ في ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ﴾ للمتقين.
وقوله :﴿إِلاَّ مَنِ اتخذ﴾ الآية أيْ : إلاَّ من كان له عملٌ صَالِحٌ مبرورٌ [ فيشفَعُ ] فيُشَفَّع، وتحتملُ الآية أَنْ يُرادَ ب«مَنْ » النبي ﷺ وبالشَّفَاعَة الخاصَّة له العامة في أَهل الموقِفِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى