الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَن دَعَوْا﴾ : في محلِّه خمسةُ اوجه، أحدها : أنه في محلِّ نصبٍ على المفعولِ مِنْ أجله. قاله أبو البقاء والحوفي، ولم يُبَيِّنا : ما العاملُ فيه ؟ ويجوز أَنْ يكونَ العاملُ " تكاد " أو " تَحِزُّ " أو " هَدَّاً " أي : تَهِدُّ لأَنْ دَعَوْا، ولكنَّ شَرْطَ النصبِ فيها مفقودٌ وهو اتِّحادُ الفاعلِ في المفعولِ له والعاملِ فيه، فإن عَنَيَا أنه على إسقاطِ اللامِ - وسقوطُ اللامِ يَطَّرِدُ مع أنْ - فقريبٌ. وقال الزمخشري :" وأَنْ يكونَ منصوباً بتقديرِ سقوطِ اللام وأفضاءِ الفعلِ، أي : هدَّاً لأَنْ دَعَوْا، عَلَّلَ الخرورَ بالهدِّ، والهدِّ بدعاءِ الوَلَدِ للرحمن ". فهذا تصريحٌ منه بأنَّه على إسقاطِ الخافضِ، وليس مفعولاً له صريحاً.
الوجه الثاني : أَنْ يكونَ مجروراً بعد إسقاطِ الخافض، كما هو مذهبُ الخليلِ والكسائي.
والثالث : أنه بدلٌ من الضمير في " مِنْه " كقولِه :
على حالةٍ لو أنَّ في القومِ حاتماًعلى جودِهِ لضَنَّ بالماءِ حاتِمِ
بجر " حاتم " الأخير بدلاً من الهاء في " جودِه ". قال الشيخ :" وهو بعيدٌ لكثرةِ الفصلِ بين البدلِ والمبدلِ منه بجملتين ".
الوجه الرابع : أَنْ يكونَ مرفوعاً ب " هَدَّاً ". قال الزمخشري أي : هَدَّها دعاءُ الولدِ للرحمن ". قال الشيخ :" وفيه بُعْدٌ لأنَّ الظاهرَ في " هَدَّاً " أن يكونَ مصدراً توكيدياً، والمصدرُ التوكيديُّ لا يعملُ، ولو فَرَضْناه غيرَ توكيديّ لم يَعْمَلْ بقياسٍ إلا إنْ كان أمراً أو مستفهماً عنه نحو :" ضَرْباً زيداً " و " أضَرْباً زيداً " على خلافٍ فيه. وأمَّا إنْ كان خبراً، كما قدَّره الزمخشري " أي : هَدَّها دعاءُ الوَلَدِ للرحمن " فلا يَنْقاس، بل ما جاءَ من ذلك هو نادرٌ كقولِ امرِئ القيس :
وُقوفاً بها صَحْبِيْ عليَّ مطيَّهم *** يقولون : لا تَهْلَِكَ أَسَىً وتجمَّلِ
أي : وقف صحبي.
الخامس : أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديرُه : المٌوْجِبُ لذلك دعاؤهم، كذا قَدَّره أبو البقاء.
و " دَعا " يجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى سَمَّى فيتعدَّى لاثنين، ويجوز جَرُّ ثانيهما بالباءِ. قال الشاعر :
دَعَتْنِي أخاها أمُّ عمروٍ ولم أكنْأخاها ولم أَرْضَعْ بلَبانِ
دَعَتْني أخاها بعد ما كان بينَنامن الفعلِ ما لا يَفْعَلُ الأَخَوانِ
وقول الآخر :
ألا رُبَّ من يُدْعَى نَصيحاً وإنْ يَغِبْتَجِدْه بغَيْبٍ منكَ غيرَ نَصِيْحِ
وأوَّلُهما في الآية محذوفٌ. قال الزمخشري :" طلباً للعموم والإِحاطة بكلِّ ما يُدْعَى له ولداً. ويجوز أن يكونَ مِنْ " دعا " بمعنى نَسَبَ الذي مُطاوِعُه ما في قولِه عليه السلام " مَنِ ادَّعَى إلى غير مَوالِيه " وقول الشاعر :
إنَّا بني نَهْشَلٍ لا نَدَّعِيْ لأَبٍعنه ولا هو بالأَبْناءِ يَشْرِيْنا
أي : لا نَنْتَسِبُ إليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى