اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
ثم خوف الكفار فقال :﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ﴾ أي أهلكهم(١).
قوله :﴿دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ﴾ يجوز أن يكون حذف مفعوله، أي أهلك الله بُيُوتَهُمْ، وخرّبها عليم(٢) أو يضمن معنى «دمر » معنى سخط اله عليهم بالتدمير. وقوله :﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض﴾ مناسب للوجه الأخير، يعني فينظروا إلى حالهم، ويعلموا أن الدنيا فانيةً.
قوله :﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ أي أمثال العاقبة المتقدمة(٣). وقيل : أمثال العقوبة. وقيل : التدمير. وقيل : الهلكة(٤). والأول أولى لتقدم ما يعود عليه الضمير صريحاً مع صحة معناه.
فإن قيل : إذا عاد الضمير إلى العاقبة فكيف يكون لها أمثال ؟
فالجواب : أن المراد هو العذاب الذي هو مدلول العاقبة، والألم الذي دلّت العاقبة عليه(٥).

فصل


في المراد بقوله :﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ وجهان :
أحدهما : أن المراد الكافرون بمحمد عليه الصلاة والسلام.
الثَّانِي : أن المراد أمثالها في الآخرة، فيكون المراد من الكافرين مَنْ تقدّم، كأنه يقول : دَمَرَ اللهُ عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة أمثالها.
فإن قيل : إذ كان المراد ( من ) الكافرين بمحمد عليه الصلاة والسلام فإنهم أمثال ما كان لمن تقدمهم من العاقبة، فالأولون أهلكوا بأمور شديدة كالزَّلاَزِلِ والنِّيران والرِّيَاحِ والطُّوفَانِ، ولا كذلك قوم محمد عليه الصلاة والسلام.
فالجواب : يجوز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين، لكون دين محمد أظهر بسبب تقدم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عليه، وأخبارهم عنه، وإنذارهم على أنهم قتلوا وأُسِرُوا بأيدي مَنْ كانوا يَسْتَخِفُّونَهُمْ ويستضعفونهم والقتل بيد المِثل آلم من الهلاك بسبب عام(٦).
١ انظر الرازي ٢٨/٤٩ و٥٠، والبحر المحيط ٨/٧٦..
٢ قاله القرطبي في الجامع ١٦/٢٣٤ وانظر المرجعين السابقين..
٣ وهو اختيار الزجاج في المعاني ٥/٨..
٤ الكشاف ٣/٥٣٢ وقال بالعقوبة الرازي فيما نقله عن أحد الأقوال..
٥ الرازي ٢٨/٥٠..
٦ الرازي السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى