البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ثم ضرب تعالى مثلاً لمكة والقرى المهلكة على عظمها، كقرية عاد وغيرهم، والمراد أهلها، وأسند الإخراج إليها مجازاً.
والمعنى : كانوا سبب خروجك، وذلك وقت هجرته عليه السلام إلى المدينة.
وكما جاء في حديث ورقة بن نوفل : يا ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك، قال : أوَ مخرجي هم.
وقال ابن عطية : ونسب الإخراج إلى القرية حملاً على اللفظ، وقال :﴿أهلكناهم﴾، حملاً على المعنى. انتهى.
وظاهر هذا الكلام لا يصح، لأن الضمير في أهلكناهم ليس عائداً على المضاف إلى القرية التي أسند إليها الإخراج، بل إلى أهل القرية في قوله :﴿وكأين من قرية﴾، وهو صحيح، لكن ظاهر قوله حملاً على اللفظ وحملاً على المعنى : أي أن يكون في مدلول واحد، وكان يبقى كأين مفلتاً غير محدث عنه بشيء، إلا أن وقت إهلاكهم كأنه قال : فهم لا ينصرون إذ ذاك.
وقال ابن عباس : لما أخرج من مكة إلى الغار، التفت إلى مكة وقال : أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إليّ، فلو أن المشركين لم يخرجوني، لم أخرج منك، فأعدي الأعداء من عدا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله.
وقيل : بدخول الجاهلية قال : فأنزل الله تعالى، ﴿وكأين من قرية﴾ الآية ؛ وقد تقدّم أول السورة عن ابن عباس خلاف هذا القول.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى