جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أشْرَاطُها يقول تعالى ذكره : فهل ينظر هؤلاء المكذّبون بآيات الله من أهل الكفر والنفاق إلا الساعة التي وعد الله خلقه بعثهم فيها من قبورهم أحياء، أن تجيئهم فجأة لا يشعرون بمجيئها. والمعنى : هل ينظرون إلا الساعة، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة. وأنْ من قوله : إلاّ أنْ في موضع نصب بالردّ على الساعة، وعلى فتح الألف من أنْ تَأْتِيَهُمْ ونصب تأتِيَهم بها قراءة أهل الكوفة. وقد :
حُدثت عن الفرّاء، قال : حدثني أبو جعفر الرّؤاسيّ، قال : قلت لأبي عمرو بن العلاء : ما هذه الفاء التي في قوله : فَقَدْ جاءَ أشْرَاطُها قال : جواب الجزاء، قال : قلت : إنها إن تأتيهم، قال : فقال : معاذ الله، إنما هي «إنْ تَأْتِهِمْ » قال الفرّاء : فظننت أنه أخذها عن أهل مكة، لأنه عليهم قرأ، قال الفرّاء : وهي أيضا في بعض مصاحف الكوفيين بسنة واحدة «تَأتِهِمْ » ولم يقرأ بها أحد منهم.
وتأويل الكلام على قراءة من قرأ ذلك بكسر ألف «إن » وجزم «تأتهم » فهل ينظرون إلا الساعة ؟ فيجعل الخبر عن انتظار هؤلاء الكفار الساعة متناهيا عند قوله : إلاّ السّاعَةَ، ثم يُبْتدأ الكلام فيقال : إن تأتهم الساعة بغتة فقد جاء أشراطها، فتكون الفاء من قوله : فَقَدْ جاءَ بجواب الجزاء.
وقوله : فَقَدْ جاءَ أشْرَاطُها يقول : فقد جاء هؤلاء الكافرين بالله الساعة وأدلتها ومقدّماتها، وواحد الأشراط : شَرَط، كما قال جرير :
تَرَى شَرَطَ المِعْزَى مُهورَ نِسائهِمْوفي شُرَطِ المِعْزَى لهُنّ مُهُورُا
ويُرَوى :«ترى قَزَم المِعْزَى »، يقال منه : أشرط فلان نفسَه : إذا علمها بعلامة، كما قال أوس بن حجر :
فأَشْرَطَ فِيها نَفْسَهُ وَهْوَ مُعْصِمٌوألْقَى بأسْبابٍ لَهُ وَتَوَكّلا
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، فَقَدْ جاءَ أشْرَاطُها يعني : أشراط الساعة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً قد دنت الساعة ودنا من الله فراغ العباد.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فَقَدْ جاءَ أشْرَاطُها قال : أشراطها : آياتها.
وقوله : فأنى لَهُمْ إذَا جاءتهم ذِكْراهُمْ يقول تعالى ذكره : فمن أيّ وجه لهؤلاء المكذّبين بآيات الله ذكرى ما قد ضيّعوا وفرّطوا فيه من طاعة الله إذا جاءتهم الساعة، يقول : ليس ذلك بوقت ينفعهم التذكر والندم، لأنه وقت مجازاة لا وقت استعتاب ولا استعمال. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فأنّى لَهُمْ إذَا جاءَتْهُم ذِكْراهُمْ يقول : إذا جاءتهم الساعة أنى لهم أن يتذكروا ويعرفوا ويعقلوا ؟
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة فأنى لَهُمْ إذَا جاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ قال : أنى لهم أن يتذكروا أو يتوبوا إذا جاءتهم الساعة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فأنّى لَهُمْ إذَا جاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ قال : الساعة، لا ينفعهم عند الساعة ذكراهم، والذكرى في موضع رفع بقوله : فأنّى لَهُمْ لأن تأويل الكلام : فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى