البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿فهل عسيتم﴾ : التفات للذين في قلوبهم مرض، أقبل بالخطاب عليهم على سبيل التوبيخ وتوقيفهم على سوء مرتكبهم، وعسى تقدّم الخلاف في لغتها.
وفي القراءة فيها، إذا اتصل بها ضمير الخطاب في سورة البقرة، واتصال الضمير بها لغة الحجاز، وبنو تميم لا يلحقون بها الضمير.
وقال أبو عبد الله الرازي : وقد ذكروا أن عسى يتصل بها ضمير الرفع وضمير النصب، وأنها لا يتصل بها ضمير قال : وأما قول من قال : عسى أنت تقوم، وعسى أنا أقوم، فدون ما ذكرنا لك تطويل الذي فيه. انتهى.
ولا أعلم أحداً من نقلة العرب ذكر انفصال الضمير بعد عسى، وفصل بين عسى وخبرها بالشرط، وهو أن توليتم.
وقرأ الجمهور :﴿إن توليتم﴾، ومعناه إن أعرضتم عن الإسلام.
وقال قتادة : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ؟ ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن ؟ يشير إلى ما جرى من الفترة بعد زمان الرسول.
وقال كعب، ومحمد بن كعب، وأبو العالية، والكلبي : إن توليتم، أي أمور الناس من الولاية ؛ ويشهد لها قراءة وليتم مبنياً للمفعول.
وعلى هذا قيل : نزلت في بني هاشم وبني أمية.
وعن النبي ﷺ :«إن توليتم » ؛ بضم التاء والواو وكسر اللام، وبها قرأ علي وأويس، أي إن وليتكم ولاية جور دخلتم إلى دنياهم دون إمام العدل.
وعلى معنى إن توليتم بالتعذيب والتنكيل وإقفال العرب في جاهليتها وسيرتها من الغارات والثبات، فإن كانت ثمرتها الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم.
وقيل معناه : إن تولاكم الناس : وكلكم الله إليهم ؛ والأظهر أن ذلك خطاب للمنافقين في أمر القتال، وهو الذي سبقت الآيات فيه، أي إن أعرضتم عن امتثال أمر الله في القتال.
﴿وأن تفسدوا في الأرض﴾ بعدم معونة أهل الإسلام، فإذا لم تعينوهم قطعتم ما بينكم وبينهم من صلة الرحم.
ويدل على ذلك ﴿أولئك الذين لعنهم الله﴾. فالآيات كلها في المنافقين.
وهذا التوقع الذي في عسى ليس منسوباً إليه تعالى، لأنه عالم بما كان وما يكون، وإنما هو بالنسبة لمن عرف المنافقين، كأنه يقول لهم : لنا علم من حيث ضياعهم.
هل يتوقع منكم إذا أعرضتم عن القتال أن يكون كذا وكذا ؟ وقرأ الجمهور :﴿تقطعوا﴾، بالتشديد على التكثير، وأبو عمرو، في رواية، وسلام، ويعقوب، وأبان، وعصمة : بالتخفيف، مضارع قطع ؛ والحسن : وتقطعوا، بفتح التاء والقاف على إسقاط حرف الجر، أي أرحامكم، لأن تقطع لازم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى