الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ عَطْفِ الخاص على العام إنْ قيل : إنَّ هذه الأسماءَ لأصنامٍ، وأن لا يكونَ إنْ قيل : إنها أسماءُ رجالٍ صالحينَ على ما ذُكر في التفسير. وقرأ نافع " وُدّاً " بضم الواوِ، والباقون بفتحها، وأُنْشِدَ بالوَجْهَيْن قولُ الشاعر :
حَيَّاكَ وَدٌّ فإنَّا لا يَحِلُّ لنالَهْوُ النساءِ وإنَّ الدين قد عزما
وقول الآخر :
فحيَّاكِ وَدٌّ مِنْ هُداكِ لفِتْيَةٍوخُوْصٍ بأعلى ذي فُضالةَ مُنْجِدِ
قوله :﴿وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ قرأهما العامَّةُ بغير تنوين. فإن كانا عربيَّيْن فالمنعُ من الصَرْف للعلميَّةِ والوزن، وإن كانا أعجميَّيْن فللعلميَّةِ والعُجْمة. وقرأ الأعمش :" ولا يَغُوْثاً ويَعُوْقاً " مصورفَيْن. قال ابن عطية :" وذلك وهمٌ : لأنَّ التعريفَ لازمٌ ووزنَ الفعل " انتهى. وليس بوهمٍ لأمرَيْن، أحدهما : أنه صَرَفَهما للتناسُبِ، إذ قبله اسمان منصرفان، وبعده اسمٌ منصرفٌ، كما صُرِفَ " سلاسل ". والثاني : أنه جاء على لغةِ مَنْ يَصْرِفُ غيرَ المنصرِف مطلقاً. وهي لغةٌ حكاها الكسائيُّ.
ونقل أبو الفضل الصَّرْفَ فيهما عن الأشهبِ العُقَيْليِّ ثم قال :" جَعَلهما فَعُولاً ؛ فلذلك صرفهما، فأمَّا في العامَّة فإنهما صفتان من الغَوْث والعَوْق ". قلت : وهذا كلامٌ مُشْكِلٌ. أمَّا قولُه :" فَعُولاً " فليس بصحيحٍ، إذ مادةُ " يغث " و " يعق " مفقودةٌ. وأمَّا قولُه :" صفتان من الغَوْث والعَوْق " فليس في الصفاتِ ولا في الأسماءِ " يَفْعُل " والصحيحُ ما قَدَّمْتُه. وقال الزمخشري :" وهذه قراءةٌ مُشْكِلة ؛ لأنهما إنْ كانا عربيَّيْنِ أو أعجميَّيْنِ ففيهما مَنْعُ الصَّرْفِ، ولعله قَصَدَ الازدواجَ فصرَفهما. لمصادفتِه أخواتِهما منصرفاتٍ : وَدَّاً وسُوعاً ونَسْراً ". قال الشيخ :" كأنه لم يَطَّلعْ على أنَّ صَرْفَ ما لا ينصرفُ لغةٌ ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى