روح البيان — إسماعيل حقي

عن الكتاب
الأرض ليست كرية بل هى مبسوطة قال سعدى المفتى وانما هو فى التقلب عليها على ما فسروه انتهى وقد مر مرارا ان كرية الأرض لانتا فى الحرث والغرس ونحوهما لعظم دائرتها كما يظهر الفرق بين بيضة الحمامة وبيضة النعامة لِتَسْلُكُوا من السلوك وهو الدخول لا من السلك وهو الإدخال مِنْها سُبُلًا فِجاجاً اى طرقا واسعة جمع سبيل وفج وهو الطريق الواسع فجر دهنا لمعنى الواسع فجعل صفة لسبلا وقيل هو المسلك بين الجبلين قال فى المفردات الفج طريق يكتنفها جبلان ويستعمل فى الطريق ال واسع ومن متعلقة بما قبلها لما فيه من معنى الاتخاذ اى لتسلكوا متخذين من الأرض سبلا فتصرفوا فيها مجيئا وذهابا او بمضمر هو حال من سبلا اى كائنة من الأرض ولو تأخر لكان صفة لها ثم جعلها بساطا للسلوك المذكور لا ينافى غيره من الوجوه كالنوم والاستراحة والحرث والغرس ونحوها ثم السلوك اما جسمانى بالحركة الاينية الموصلة الى المقصد واما روحانى بالحركة الكيفية الموصلة الى المقصود ولكل منهما فوائد جليلة كطلب العلم والحج والتجارة وغيرها وكتحصيل المحبة والمعرفة والانس ونحوها وقال القاشاني والله جعل لكم ارض البدن بساطا لتسلكوا منها سبل الحواس فجاجا اى خروقا واسعة او من جهتها سبل سماء الروح الى التوحيد كما قال امير المؤمنين رضى الله عنه سلونى عن طرق السماء فانى أعلم بها من طرق الأرض أراد الطرق الموصلة الى الكمال من المقامات والأحوال كالزهد والعبادة والتوكل والرضى وأمثال ذلك ولهذا كان معراج النبي عليه السلام بالبدن قالَ نُوحٌ أعبد لفظ الحكاية لطول العهد بحكاية مناجاته لربه فهو بذل من قال الاول ولذا ترك العطف اى قال مناجيا له تعالى رَبِّ اى پروردگار من إِنَّهُمْ عَصَوْنِي داموا على عصيانى ومخالفتى فيما امرتهم به مع ما بالغت فى إرشادهم بالعظة والتذكير وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً اى استمروا على اتباع رؤسائهم الذين ابطرتهم أموالهم وغرتهم أولادهم وصارت تلك الأموال والأولاد سببا لزيادة خسارهم فى الآخرة فصاروا سوة لهم الخسار وفى وصفهم بذلك اشعار بأنهم انما اتبعوهم لو جاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع كما قالت قريش لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فجعلوا الغنى سببا مصححا للاتباع ودل الكلام على ان ازدياد المال والولد كثيرا ما يكون سببا للهلاك الروحاني ويورث الضلال فى الدين اولا والإضلال عن اليقين ثانيا قال ابن الشيخ المفهوم من نظم الآية ان أموالهم وأولادهم عين الخسار وان ازديادهما انما هو ازدياد خسارهم والأمر فى الحقيقة كذلك فانهما وان كانا من جملة المنافع المؤدية الى السعادة الأبدية بالشكر عليهما وصرفهما الى وجوه الخير الا انهما إذا أديا الى البطر والاغترار وكفران حق المنعم بهما وصارا وسيلتين الى العذاب المؤبد فى الآخرة صارا كأنهما مخض الحسار لان الدنيا فى جنب الآخرة كالعدم فمن انتفع بهما فى الدنيا خسر سعادة الآخرة وصار كمن أكل لقمة مسمومة من الحلوى فهلك فان تلك اللقمة فى حقه هلاك محض
قينان ثم صارت سنة فى العرب فى الجاهلية وذلك اما بإخراج الشيطان اللعين تلك الصور كما سبق او بانه كان لعمرو بن لحى وهو أول من نصب الأوثان فى الكعبة تابع من الجن فقال له اذهب الى جدة وائت منها بالآلهة التي كانت تعبد فى زمن نوح وإدريس وهى ود إلخ فذهب وأتى بها الى مكة ودعا الى عبادتها فانتشرت عبادة الأصنام فى العرب وعاش عمرو بن لحى ثلاثمائة وأربعين سنة ورأى من ولده وولد ولد ولده الف مقاتل ومكث هو وولده فى ولاية البيت خمسمائة سنة ثم انتقلت الولاية الى قريش فمكثوا فيها خمسمائة اخرى فكان البيت بيت الأصنام ألف سنة وذكر الامام الشعراني ان اصل وضع الأصنام انما هو من قوة التنزيه من العلماء الأقدمين فانهم نزهوا الله عن كل شىء وأمروا بذلك عامتهم فلما رأوا ان بعض عامتهم صرح بالتعطيل وضعوا لهم الأصنام وكسوها الديباج والحلي والجواهر وعظموها بالسجود وغيره ليتذكروا بها الحق الذي غاب عن عقولهم وغاب عن أولئك العلماء ان ذلك لا يجوز الا باذل من الله تعالى هذا كلامه قال السهيلي ولا أدرى من اين سرت لهم تلك الأسماء القديمة أمن قبل الهند فقد ذكر عنهم انهم كانوا المبدأ فى عبادتهم الأصنام بعد نوح أم الشيطان ألهمهم ما كانت عليه الجاهلية الاولى قبل نوح وفى التكملة روى تقى بن مخلد أن هذه الأسماء المذكورة فى لسورة كانوا أبناء آدم عليه السلام من صلبه وأن يغوث كان أكبرهم وهى اسماء سبيانية ثم وقعت تلك الأسماء الى أهل الهند فسموا بها أصنامهم التي زعموا انها على صور الدراري السبعة وكانت الجن تكلمهم من جوفها فافتنوا بها ثم أدخلها الى ارض العرب عمرو بن لحى بن قمعة بن الياس بن مضر فمن قبله سرت الى ارض العرب وقيل كان ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة نسر وهو طائر عظيم لانه ينسر الشيء ويقتلعه وفى التأويلات النجمية لا تتركن عبودية آلهتكم التي هى ود النفس المصورة بصورة المرأة وسواع الهوى المصور بصورة الرجل ويغوث الطبيعة المشكلة بشكل الأسد ويعوق الشهوة المشكلة بصورة الفرس ونسر الشره المصور بصورة النسر وقال القاشاني اى معبوداتكم التي عكفتم بهواكم عليها من ود البدن الذي عبدتموه بشهواتكم وأحببتموه وسواع النفس ويغوث الأهل ويعوق المال ونسر الحرص وَقَدْ أَضَلُّوا اى الرؤساء والجملة حالية كَثِيراً اى خلقا كثيرا او أضل الأصنام كقوله تعالى رب انهن اضللن كثيرا من الناس جمعهم جمع العقلاء لعدهم آلهة ووصفهم بأوصاف العقلاء وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ بالاشتراك فان الشرك ظلم عظيم إذ أصل الظلم وضع الشيء فى غير موضعه فهل شىء أسوأ فى هذا من وضع اخس المخلوق وعبادته موضع الخالق الفرد الصمد وعبادته إِلَّا ضَلالًا الجملة عطف على قوله تعالى رب انهم عصونى اى قال رب انهم عصونى وقال ولا تزد الظالمين الا ضلالا قالوا ومن الحكاية لا من المحكي او من كلام الله لا من كلام نوح فنوح قال كل واحد من هذين القولين من غير ان يعطف أحدهما على الآخر فحكى الله أحد قوليه بتصديره بلفظ قال وحكى قوله صاخر بعطفه على قوله الاول بالواو المنائبة عن لفظ قال فلا يلزم عطف الإنشاء على الاخبار ويجوز

تفسير هذه الآية من كتب أخرى