الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ﴾ الضمير للرؤساء. ومعناه : وقد أضلوا ﴿كَثِيراً﴾ قبل هؤلاء الموصين بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام ليسوا بأوّل من أضلوهم. أو وقد أضلوا بإضلالهم كثيراً، يعني أنّ هؤلاء المضلين فيهم كثرة. ويجوز أن يكون للأصنام، كقوله تعالى :﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس﴾ [إبراهيم: ٣٦].
فإن قلت : علام عطف قوله :﴿وَلاَ تَزِدِ الظالمين﴾ ؟ قلت : على قوله :﴿رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى﴾ على حكاية كلام نوح عليه السلام بعد ﴿قَالَ﴾ وبعد الواو النائبة عنه : ومعناه قال رب إنهم عصوني، وقال : لا تزد الظالمين إلا ضلالاً، أي : قال هذين القولين وهما في محل النصب، لأنهما مفعولا «قال » كقولك : قال زيد نودي للصلاة وصل في المسجد ؛ تحكى قوليه معطوفاً أحدهما على صاحبه.
فإن قلت : كيف جاز أن يريد لهم الضلال ويدعو الله بزيادته ؟ قلت : المراد بالضلال : أن يخذلوا ويمنعوا الألطاف، لتصميمهم على الكفر ووقوع اليأس من إيمانهم، وذلك حسن جميل يجوز الدعاء به، بل لا يحسنَ الدعاء بخلافه. ويجوز أن يريد بالضلال : الضياع والهلاك، لقوله تعالى :﴿وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً﴾ [نوح: ٢٨].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى