التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين لهم ما يترتب على إخلاص عبادتهم لله، وخشيتهم منه - سبحانه - وطاعتهم لنبيهم فقال :﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
وقوله :﴿يَغْفِرْ﴾ مجزوم فى جواب الأوامر الثلاثة، و ﴿من﴾ للتبعيض أى : يغفر لكم بعض ذنوبكم، وهى تلك التى اقترفوها قبل إيمانهم وطاعتهم لنبيهم، أو الذنوب التى تتعلق بحقوق الله - تعالى - دون حقوق العباد.
ويرى بعضهم أن " من " هنا زائدة لتوكيد هذه المغفرة. أى : يغفر لكم جميع ذنوبكم التى فرطت منكم، متى آمنتم واتقيتم ربكم، وأطعتم نبيكم.
﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أى : ويؤخر آجالكم إلى وقت معين عنده - سبحانه - ويبارك لكم فيها، بأن يجعلها عامرة بالعمل الصالح، وبالحياة الآمنة الطيبة.
فأنت ترى أن نوحا - عليه السلام - قد وعدهم بالخير الأخروى وهو مغفرة الذنوب يوم القيامة، وبالخير الدنيوى وهو البركة فى أعمارهم، وطول البقاء فى هناء وسلام.
قال ابن كثير :﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أى : ويمد فى أعماركم، ويدرأ عنكم العذاب، الذى إذا لم تنزجروا عما أنهاكم عنه : أوقعه - سبحانه - بكم.
وقد يستدل بهذه الآية من يقول : إن الطاعة والبر وصلة الرحم. يزاد بها فى العمر حقيقة، كما ورد به الحديث : " صلة الرحم تزيد فى العمر ".
وقوله :﴿إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بمنزلة التعليل لما قبله. أى : يغفر لكم - سبحانه - من ذنوبكم، ويؤخركم إلى أجل معين عنده - تعالى - إن الوقت الذى حدده الله - عز وجل - لانتهاء أعماركم، متى حضر، لا يؤخر عن موعده، ﴿لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أى : لو كنتم من أهل العلم لسارعتم لما آمركم به. لكنكم لستم من أهله فى شئ، لذا لم تسارعوا، فجواب لو مما يتعلق بأول الكلام.
ويجوز أن يكون مما يتعلق بآخره. أى : لو كنتم من أهل العلم لعلمتم ذلك، أى : عدم تأخير الأجل إذا جاء وقته المقدر له. والفعل فى الوجهين منزل منزلة اللازم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى