روح البيان — إسماعيل حقي
عن الكتاب
(وقال الشيخ سعدى)
أيقظنا الله تعالى وإياكم من نوم الغفلة وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً اى كثير المنافع حياة الأناسي والدواب والأرض الميتة وفي كشف الاسرار مطرا يثبت في اجزاء الأرض فينبع طول السنة فَأَنْبَتْنا بِهِ اى بذلك الماء جَنَّاتٍ كثيرة اى أشجارا ذوات ثمار فذكر لمحل وأراد الحال كما قال فأخرجنا به ثمرات وبالفارسية بوستانها مشتمل بر اشجار واثمار وَحَبَّ الْحَصِيدِ من حذف الموصوف للعلم به على ما هو اختيار البصريين في باب مسجد الجامع لئلا يلزم اضافة الشيء الى نفسه واصل الحصيد قطع الزرع والحصيد بمعنى المحصود وهو هنا مجاز باعتبار الأول والمعنى وحب الزرع الذي شأنه أن يحصد من البر والشعير وأمثالهما مما يقتات به وتخصيص إنبات حبه بالذكر لانه المقصود بالذات وَالنَّخْلَ عطف على جنات وتخصيصها بالذكر مع اندراجها في الجنات لبيان فضلها على سائر الأشجار وقد سبق بعض أوصافها في السورة يس وتوسيط الحب بينهما لتأكيد استقلالها وامتيازها عن البقية مع ما فيه من مراعاة الفواصل باسِقاتٍ طوالا في السماء عجيبة الخلق وهو حال مقدرة فانها وقت الإنبات لم تكن طوالا يقال بسقت الشجرة بسوقا إذا طالت وفي المفردات الباسق هو الذاهب طولا من جهة الانقطاع ومنه بسق فلان على أصحابه علاهم ويجوز أن يكون معنى باسقات حوامل من أبسقت الشاة إذا حملت فيكون من باب أفعل فهو فاعل لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ اى منضود بعضه فوق بعض والمراد تراكم الطلع او كثرة ما فيه من الثمر والجملة حال من النخل يقال نضدت المتاع بعضه على بعض ألقيته فهو منضود ومنضد والمنضد السرير الذي ينضد عليه المتاع ومنه استعير طلع نضيد كما في المفردات والنضد والنضيد وبالفارسية برهم نهادن والطلع شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود والطرف محدد أو ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها وقشره يسمى الكفرى بضم الكاف والفاء معا وتشديد الراء وما في داخله الإغريض لبياضه كما في القاموس قال في بحر العلوم الطلع ما يطلع من النخلة وهو الكم قبل أن يشق ويقال لما يظهر من الكم طلع ايضا وهو شيء ابيض يشبه بلونه الأسنان وبرائحته المنى رِزْقاً لِلْعِبادِ اى لرزقهم علة لقوله تعالى فأنبتنا وفي تعليله بذلك بعد تعليل أنبتنا الاول بالتبصرة والتذكرة تنبيه على ان الواجب على العبد أن يكون انتفاعه بذلك من حيث التذكر والاستبصار أهم وأقدم من تمتعه به من حيث الرزق
يقول الفقير المقصود من الآية الاولى هو الاستدلال على القدرة بأعظم الاجرام كما دل عليه النظر وذكر الإنبات فيها بطريق التبع فناسب التعليل بالتبصرة والتذكير ومن الثانية بيان الانتفاع بمنافع تلك الاجرام فناسب التعليل بالرزق ولذا أخرت عن اولى لان منافع الشيء مترتبة على خلقه قال ابو عبيدة نخل الجنة نضيد ما بين أصلها الى فرعها بخلاف نخل الدنيا فان ثمارها رؤسها كلما نزعت رطبة عادت ألين من الزبد وأحلى من العسل فنخل الدنيا تذكير لنخل
| بيا تا بر آريم دستى ز دل | كه نتوان بر آورد فردا ز كل |
| خوردن براى زيستن وذكر كردنست | تو معتقد كه زيستن از بهر خوردنست |
من ورلء حجاب لا يأكل ولا يشرب وأخبرهم انه لا يموت ابدا وانه اله لهم وذلك كله ويتكلم به الشيطان على لسانه فصدق كثير منهم وارتاب بعضهم وكان المؤمن المكذب منهم اقل من المصدق فكلما تكلم ناصح منهم زجر وقهر فاتفقوا على عبادته فبعث الله لهم نبيا كان الوحى ينزل عليه في النوم دون اليقظة وكان اسمه حنظلة ابن صفوان فأعلمهم ان الصورة صنم لا روح له وان الشيطان فيه وقد أضلهم الله وان الله تعالى لا يتمثل بالخلق وان الملك لا يجوز أن يكون شريكا لله وأوعدهم ونصخهم وحذرهم سطوة ربهم ونقمته فآذوه وعادوه وهو يتعدهم بالموعظة والنصيحة حتى قتلوه وطرحوه في بئر وعند ذلك حلت عليهم النقمة فباتو اشباعى رواء من الماء وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطل رشاؤها وهو بالكسر الحبل فصاحوا بأجمعهم وضبح النساء والولدان وضبحت البهائم عطشا حتى عمهم الموت وشملهم الهلاك وخلفهم فى أرضهم السباع وفي منازلهم الثعالب والضباع وتبدلت لهم جناتهم وأموالهم بالسدر والشوك شوك العضاة والقتاد الاول بالكسر أم غيلان او نحوه والثاني كسحاب شجر صلب شوكه كالابر فلا تسمع فيها إلا عزيف الجن اى صوتهم وهو جرس يسمع في المفاوز بالليل وإلا زئير الأسد اى صوته من الصدر نعوذ بالله من سطواته ومن الإصرار على ما يوجب نقماته كذا فى التكملة نقلا عن تفسير المقري وقيل الرس بئر قرب اليمامة او بئر بأذربيجان او واد كما قال الشاعر فهن لوادى الرس كاليد للفهم وقد سبق بعض الكلام عليه في سورة الفرقان فارجع وَثَمُودُ وقوم ثمود صالح را وهو ثمود بن عاد وهو عاد الآخرة وعاد هو عاد ارم وهو عاد الاولى وَعادٌ وقوم عاد هود را وَفِرْعَوْنُ وفرعون موسى را وهرون را والمراد هو وقومه ليلائم ما قبله وما بعده من الجماعة وَإِخْوانُ لُوطٍ يعنى اصهار او مر او را والصهر زوج بنت الرجل وزوج أخته وقيل إخوانه قومه لاشتراكهم في النسب لا في الدين قال عطاء ما من أحد من الأنبياء الا ويقوم معه قومه الا لوطا عليه السلام يقوم وحده وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ هم من بعث إليهم شعيب عليه السلام غير اهل مدين وكانوا يسكنون أيكة اى غيضة تنبت السدر والأراك وقد مر في سورة الحجر وَقَوْمُ تُبَّعٍ الحميرى ملك اليمن وقد سبق شرح حالهم في سورة الدخان كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ اى فيما أرسلوا به من الشرائع التي من جملتها البعث الذي أجمعوا عليه قاطبة اى كل قوم من الأقوام المذكورين كذبوا رسلهم وكذب جميعهم جميع الرسل بالمعنى المذكور وافراد الضمير باعتبار لفظ الكل او كل واحد منهم كذب جميع الرسل لاتفاقهم على التوحيد والانذار بالبعث والحشر فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل وهذا على تقدير رسالة تبع ظاهر واما على تقدير عدمها وهو الأظهر فمعنى تكذيب قومه الرسل تكذيبهم لمن قبلهم من الرسل المجمعين على التوحيد والبعث والى ذلك كان يدعوهم تبع فَحَقَّ وَعِيدِ اى فوجب وحل عليهم وعيدي وهى كلمة العذاب والوعيد يستعمل فى الشر خاصة بخلاف الوعد فانه يكون في الخير والشر وفي الآية تسلية لرسول الله صلّى الله عليه وسلم يعنى لا تحزن بتكذيب الكفار إياك لانك لست باول نبى كذب وكل امة كذبت رسولها واصبر على أذاهم كما صبروا تظفر بالمراد كما ظفروا وتهديد لاهل مكة يعنى احذروا