تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، يقول تعالى : وجاءت - أيها الإنسان - سكرة الموت بالحق، أي : كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه، ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي : هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك، فلا محيد ولا مناص، ولا فكاك ولا خلاص.
وقد اختلف المفسرون في المخاطب بقوله :﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو. وقيل : الكافر، وقيل : غير ذلك.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا إبراهيم بن زياد - سَبَلان - أخبرنا عَبَّاد بن عَبَّاد عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص(١) أن عائشة، رضي الله عنها، قالت : حضرت أبي وهو يموت، وأنا جالسة عند رأسه، فأخذته غشيةٌ فتمثلت ببيت من الشعر :
من لا يزال دمعه مُقَنَّعافإنه لا بد مرةً (٢) مدقوق (٣)
قالت : فرفع رأسه فقال : يا بنية، ليس كذلك ولكن كما قال تعالى :﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.
وحدثنا(٤) خلف بن هشام، حدثنا أبو شهاب [ الخياط ](٥)، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي قال : لما أن ثقل أبو بكر (٦)، رضي الله عنه، جاءت عائشة، رضي الله عنها، فتمثلت بهذا البيت :
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتىإذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر(٧)
فكشف عن وجهه وقال : ليس كذلك، ولكن قولي :﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ وقد أوردت لهذا الأثر طرقا [ كثيرة ](٨) في سيرة الصديق عند ذكر وفاته، رضي الله عنه.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول :" سبحان الله ! إن للموت لسكرات ". وفي قوله :﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قولان :
أحدهما : أن " ما " هاهنا موصولة، أي : الذي كنت منه تحيد - بمعنى : تبتعد وتنأى وتفر - قد حل بك ونزل بساحتك.
والقول الثاني : أن " ما " نافية بمعنى : ذلك ما كنت تقدر على الفرار منه ولا الحيد عنه.
وقد قال الطبراني في المعجم الكبير : حدثنا محمد بن علي الصائغ المكي، حدثنا حفص بن عمر الحدي، حدثنا معاذ بن محمد الهُذَلي، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن سَمُرة قال : قال رسول الله ﷺ :" مثل الذي يفر من الموت مثل الثعلب، تطلبه الأرض بدَيْن، فجاء يسعى حتى إذا أعيى وأسهر دخل جحره، فقالت له الأرض : يا ثعلب، ديني. فخرج وله حصاص، فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه ومات " (٩).
ومضمون هذا المثل : كما لا انفكاك له ولا محيد عن الأرض كذلك الإنسان لا محيد له عن الموت.
١ - (٥) في أ: "أبي وقاص" وهو خطأ. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب..
٢ - (٦) في أ: "من دمعه"..
٣ - (٧) البيت في النهاية لابن الأثير (٤/١١٥) وعنده: لا بد يوما أن يهراق..
٤ - (١) في أ: "وحديث"..
٥ - (٢) زيادة من م، أ..
٦ - (٣) في م: "أبا بكر"..
٧ - (٤) البيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه ص (٥٠) أ. هـ مستفادا من طبعة الشعب..
٨ - (٥) زيادة من م، أ..
٩ - (٦) المعجم الكبير (٧/٢٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٣٢٠): "فيه معاذ بن محمد الهذلي، قال العقيلي: لا يتابع على رفع حديثه"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى