مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿هذا ما توعدون﴾ قال الزمخشري : هي جملة معترضة بين كلامين وذلك لأن قوله تعالى :﴿لكل أواب﴾ بدل عن المتقين كأنه تعالى قال :( أزلفت الجنة للمتقين لكل أواب ) كما في قوله تعالى :﴿لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم﴾ غير أن ذلك بدل الاشتمال وهذا بدل الكل وقال :﴿هذا﴾ إشارة إلى الثواب أي هذا الثواب ما توعدون أو إلى الإزلاف المدلول عليه بقوله :﴿أزلفت﴾ أي هذا الإزلاف ما وعدتم به، ويحتمل أن يقال هو كلام مستقل ووجهه أن ذلك محمول على المعنى لا ما يوعد به يقال للموعود هذا لك وكأنه تعالى قال هذا ما قلت إنه لكم.
ثم قال تعالى :﴿لكل أواب حفيظ﴾ بدلا عن الضمير في ﴿توعدون﴾، وكذلك إن قرئ بالياء يكون تقديره هذا لكل أواب بدلا عن الضمير، والأواب الرجاع، قيل هو الذي يرجع من الذنوب ويستغفر، والحفيظ الحافظ للذي يحفظ توبته من النقض. ويحتمل أن يقال الأواب هو الرجاع إلى الله بفكره، والحفيظ الذي يحفظ الله في ذكره أي رجع إليه بالفكر فيرى كل شيء واقعا به وموجدا منه ثم إذا انتهى إليه حفظه بحيث لا ينساه عند الرخاء والنعماء، والأواب الحفيظ كلاهما من باب المبالغة أي يكون كثير الأواب شديد الحفظ، وفيه وجوه أخر أدق، وهو أن الأواب هو الذي رجع عن متابعة هواه في الإقبال على ما سواه، والحفيظ هو الذي إذا أدركه بأشرف قواه لا يتركه فيكمل بها تقواه ويكون هذا تفسيرا للمتقي، لأن المتقي هو الذي أتقى الشرك والتعطيل ولم ينكره ولم يعترف بغيره، والأواب هو الذي لا يعترف بغيره ويرجع عن كل شيء غير الله تعالى، والحفيظ هو الذي لم يرجع عنه إلى شيء مما عداه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وفي الآية ترتيب في غاية الحسن، وذلك لأنه تعالى بدأ ببيان إكرامهم حيث قال :﴿وأزلفت الجنة للمتقين﴾ ولم يقل : قرب المتقون من الجنة بيانا للإكرام حيث جعلهم ممن تنقل إليهم الجنان بما فيها من الحسان، ثم قال لهم هذا لكم، بقوله :﴿هذا ما توعدون﴾ ثم بين أنه أجر أعمالهم الصالحة بقوله :﴿لكل أواب حفيظ﴾ وقوله ﴿من خشي الرحمن﴾ فإن تصرف المالك الذي ملك شيئا بعوض أتم فيه من تصرف من ملك بغير عوض، لإمكان الرجوع في التمليك بغير عوض، ثم زاد في الإكرام بقوله :﴿ادخلوها﴾ كما بينا أن ذلك إكرام، لأن من فتح بابه للناس، ولم يقف ببابه من يرحب الداخلين، لا يكون قد أتى بالإكرام التام، ثم قال :﴿ذلك يوم الخلود﴾ أي لا تخافوا ما لحقكم من قبل حيث أخرج أبويكم منها، فهذا دخول لا خروج بعده منها.
ثم لما بين أنهم ﴿فيها خالدون﴾ قال : لا تخافوا انقطاع أرزاقكم وبقاءكم في حاجة، كما كنتم في الدنيا من كان يعمر ينكس ويحتاج، بل لكم الخلود، ولا ينفد ما تمتعون به فلكم ما تشاءون في أي وقت تشاءون، وإلى الله المنتهى، وعند الوصول إليه، والمثول بين يديه، فلا يوصف ما لديه، ولا يطلع أحد عليه، وعظمة من عنده تدلك على فضيلة ما عنده، هذا هو الترتيب، وأما التفسير، ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال تعالى :﴿ادخلوها بسلام﴾ على سبيل المخاطبة، ثم قال :﴿لهم﴾ ولم يقل لكم ما الحكمة فيه ؟ الجواب عنه من وجوه :( الأول ) هو أن قوله تعالى :﴿ادخلوها﴾ مقدر فيه يقال لهم، أي يقال لهم ﴿ادخلوها﴾ فلا يكون على هذا التفاتا. ( الثاني ) هو أنه من باب الالتفات والحكمة الجمع بين الطرفين، كأنه تعالى يقول : أكرمهم به في حضورهم، ففي حضورهم الحبور، وفي غيبتهم الحور والقصور ( والثالث ) هو أن يقال قوله تعالى :﴿لهم﴾ جاز أن يكون كلاما مع الملائكة، يقول للملائكة : توكلوا بخدمتهم، واعلموا أن لهم ما يشاءون فيها، فأحضروا بين أيديهم ما يشاءون، وأما أنا فعندي ما لا يخطر ببالهم، ولا تقدرون أنتم عليه.
ثم قال تعالى :﴿لكل أواب حفيظ﴾ بدلا عن الضمير في ﴿توعدون﴾، وكذلك إن قرئ بالياء يكون تقديره هذا لكل أواب بدلا عن الضمير، والأواب الرجاع، قيل هو الذي يرجع من الذنوب ويستغفر، والحفيظ الحافظ للذي يحفظ توبته من النقض. ويحتمل أن يقال الأواب هو الرجاع إلى الله بفكره، والحفيظ الذي يحفظ الله في ذكره أي رجع إليه بالفكر فيرى كل شيء واقعا به وموجدا منه ثم إذا انتهى إليه حفظه بحيث لا ينساه عند الرخاء والنعماء، والأواب الحفيظ كلاهما من باب المبالغة أي يكون كثير الأواب شديد الحفظ، وفيه وجوه أخر أدق، وهو أن الأواب هو الذي رجع عن متابعة هواه في الإقبال على ما سواه، والحفيظ هو الذي إذا أدركه بأشرف قواه لا يتركه فيكمل بها تقواه ويكون هذا تفسيرا للمتقي، لأن المتقي هو الذي أتقى الشرك والتعطيل ولم ينكره ولم يعترف بغيره، والأواب هو الذي لا يعترف بغيره ويرجع عن كل شيء غير الله تعالى، والحفيظ هو الذي لم يرجع عنه إلى شيء مما عداه.
ثم لما بين أنهم ﴿فيها خالدون﴾ قال : لا تخافوا انقطاع أرزاقكم وبقاءكم في حاجة، كما كنتم في الدنيا من كان يعمر ينكس ويحتاج، بل لكم الخلود، ولا ينفد ما تمتعون به فلكم ما تشاءون في أي وقت تشاءون، وإلى الله المنتهى، وعند الوصول إليه، والمثول بين يديه، فلا يوصف ما لديه، ولا يطلع أحد عليه، وعظمة من عنده تدلك على فضيلة ما عنده، هذا هو الترتيب، وأما التفسير، ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال تعالى :﴿ادخلوها بسلام﴾ على سبيل المخاطبة، ثم قال :﴿لهم﴾ ولم يقل لكم ما الحكمة فيه ؟ الجواب عنه من وجوه :( الأول ) هو أن قوله تعالى :﴿ادخلوها﴾ مقدر فيه يقال لهم، أي يقال لهم ﴿ادخلوها﴾ فلا يكون على هذا التفاتا. ( الثاني ) هو أنه من باب الالتفات والحكمة الجمع بين الطرفين، كأنه تعالى يقول : أكرمهم به في حضورهم، ففي حضورهم الحبور، وفي غيبتهم الحور والقصور ( والثالث ) هو أن يقال قوله تعالى :﴿لهم﴾ جاز أن يكون كلاما مع الملائكة، يقول للملائكة : توكلوا بخدمتهم، واعلموا أن لهم ما يشاءون فيها، فأحضروا بين أيديهم ما يشاءون، وأما أنا فعندي ما لا يخطر ببالهم، ولا تقدرون أنتم عليه.