المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقيل قوله :﴿بل كذبوا﴾ مضمر، عنه وقع الإضراب تقديره : ما أجادوا النظر أو نحو هذا، والذي يقع عنه الإضراب ب ﴿بل﴾، الأغلب فيه أنه منفي تقضي ﴿بل﴾ بفساده، وقد يكون أمراً موجباً تقضي ﴿بل﴾ بترك القول فيه لا بفساده، وقرأ الجمهور :«لَمّا » بفتح اللام وشد الميم. وقرأ الجحدري :«لِمَا » بكسر اللام وتخفيف الميم، قال أبو الفتح : هي كقولهم : أعطيته لما سأل، وكما في التاريخ : لخمس خلون، ونحو هذا، ومنه قوله تعالى :
﴿لا يجليها لوقتها إلا هو﴾(١) [الأعراف: ١٨٧] ومنه قول الشاعر :[ الوافر ]
إذا هبت لقاربها الرياح. . . (٢)
و :«المريج » : معناه : المختلط، قاله ابن زيد، أي بعضهم يقول ساحر، وبعضهم كاهن، وبعضهم يقول شاعر(٣) إلى غير ذلك من تخليطهم، وكذلك عادت فكرة كل واحد منهم مختلطة في نفسها، قال ابن عباس : المريج : المنكر. وقال مجاهد : الملتبس، والمريج المضطرب أيضاً، وهو قريب من الأول، ومنه الحديث : مرجت عهود الناس ومنه ﴿مرج البحرين﴾(٤) [ الفرقان : ٥٣، الرحمن : ١٩ ] وقال الشاعر [ أبو دؤاد ] :
مرج الدين فأعددت له. . . مشرف الحارك محبوك الكتد(٥)
١ من الآية(١٨٧) من سورة الأعراف، والمعنى في هذه الآية: لا يجليها عند وقتها إلا الله تعالى، وكذلك المعنى في قولهم:"أعطيته لما سأل": أعطيته لسؤاله، والمثال الذي ذكره أبو الفتح في المحتسب:"أعطيته ما سأل لطلبه"، أي عند طلبه، أو مع طلبه، وليس كما ذكر هنا إذ نقل محرفا، ومعنى"لخمس خلون": عند خمس خلون، أو مع خمس خلون. وعلى هذا يرجع المعنى في قراءة[لِما] بكسر اللام وفتح الميم خفيفة لمعنى القراءة العامة [لما] بفتح اللام وشد الميم..
٢ هذا عجز بيت ذكره في اللسان(عقر) شاهدا على أن العقر موضع معين، والبيت بتمامه: كرهت العقر عقر بني شُليل إذا هبت لقاريها الرياح
والبيت في المحتسب لابن جني، والرواية فيه:"شَنِئْتُ العقر"، ومعنى شنئت: كرهت، وضُبطت (شليل) في اللسان بفتح الشين وكسر اللام الأولى، وضبطت في المحتسب بضم الشين وفتح اللام، ومعنى"إذا هبت لقاريها": إذا هبت عند وقتها الرياح، وهو موضع الاستشهاد هنا..

٣ في الأصول:"وبعضهم كاهن، وبعضهم شاعر"، والزيادة للتوضيح..
٤ من الآية (١٩) من سورة (الرحمن)..
٥ البيت لأبي دؤاد الإيادي-جارية بن الحجاج-، وهو في اللسان(مرج)، قال:"ومرِج العهد والأمانة والدين: فسد، قال أبو دؤاد: مرج الدين…البيت. والحارك: الكاهل، والكتد: مجتمع الكتفين وهو الكاهل، ويقال كتَِد-بفتح التاء وكسرها-وفي الحديث (كنا يوم الخندق ننقل التراب على أكتادنا). يقول: إنه عندما اختلط الدين أعد للجهاد فرسا عالي الكاهل محكم الكتفين متين البناء، ومثل هذا البيت قول الداخل الهذلي يصف بقرة رماها بسهم:
فجالت فالتمست به حشاها فخر كأنه خوط مريج..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى