الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدها : أنه من باب إضافةِ الموصوفِ لصفتِه في الأصلِ، إذ الأصلُ : السَّيْلُ العَرِمُ. والعَرِمُ : الشديدُ. وأصله مِنَ العَرامَةِ، وهي الشَّراسَةُ والصعوبةُ. وعَرِمَ فلانٌ فهو عارِمٌ وعَرِمٌ. وعُرامُ الجيش منه. الثاني : أنه من بابِ حَذْفِ الموصوفِ وإقامة صفتِه مُقامه. تقديرُه : فأَرْسَلْنا عليهم سَيْلَ المطرِ العَرِم أو الجُرذ العرم أي الشديد الكثير. الثالث : أنَّ العَرِمَ اسمٌ للبناءِ الذي يُجْعَلُ سَدَّاً. وأُنْشد :
أي البناء القويُّ. الرابع : أنَّ العَرِمَ اسمٌ للوادي الذي كان فيه الماءُ نفسُه. الخامس : أنه اسمٌ للجُرَذِ وهو الفَأْر. قيل : هو الخُلْدُ. وإنما أُضيفَ إليه لأنه تَسَبَّبَ عنه إذ يُرْوى في التفسيرِ : أنه قَرَضَ السِّكْرَ إلى أن انفتح عليهم فغرِقوا به. وعلى هذه الأقوال الثلاثةِ تكون الإِضافةُ إضافةً صحيحةً مُعَرِّفة نحو : غلام زيد أي : سيل البناء، أو سيل الوادي الفلاني، أو سيلُ الجُرَذِ. وهؤلاء هم الذين ضَرَبَتْ بهم العربُ في المثل للفُرْقةِ فقالوا :" تَفَرَّقوا أَيْدِي سبأ وأيادي سبأ ".
قوله " " بجنَّتَيْهم جَنَّتَيْن " قد تقدَّم في البقرة أن المجرورَ بالباء هو الخارج، والمنصوبَ هو الداخلُ ؛ ولهذا غَلِط مَنْ قال من الفقهاء :" فلو أبدل ضاداً بظاءٍ بَطَلَتْ صلاتُه " بل الصواب أَنْ يُقال : ظاءً بضادٍ.
قوله :" أُكُلٍ خَمْطٍ " قرأ أبو عمرو على إضافة " أُكل " غير المضاف إلى " خَمْط ". والباقون بتنوينه غيرَ مضافٍ وقد تقدم في البقرةِ أنَّ ابنَ عامرٍ وأبا عمرو والكوفيين يضمون كاف " أكل " غير المضاف لضمير المؤنثةِ، وأن نافعاً وابن كثير يُسَكِّنونها بتفصيل هناك تقدَّمَ تحريرُه، فيكونُ القرَّاءُ هنا على ثلاثِ مراتبَ، الأولى : لأبي عمروٍ " أُكُلِ خَمْط " بضم كاف " أُكُلٍ " مضافاً ل " خَمْطٍ ". الثانية : لنافعٍ وابن كثير تسكينُ كافِه وتنوينِه. الثالثة : للباقين ضَمُّ كافِه وتنوينه. فَمَنْ أضافَ جَعَلَ " الأكل " بمعنى الجنى والثمر. والخَمْطُ قيل : شجرُ الأَراك. وقيل : كلُّ شجرٍ ذي شَوْكٍ. وقيل : كلُّ نَبْتٍ أَخَذَ طعماً مِنْ مرارة. وقيل : شجرةٌ لها ثَمَرٌ تشبه الخَشْخاشَ لا يُنْتَفَعُ به.
قوله :﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ﴾ معطوفان على " أُكُل " لا على " خَمْط " لأنَّ الخَمْطَ لا أُكُلَ له. وقال مكي :" لَمَّا لم يَجُزْ أَنْ يكونَ الخمطُ نعتاً للأكل ؛ لأنَّ الخَمْطَ اسمُ شجرٍ بعينه، ولا بدلاً لأنه ليس الأولَ ولا بعضَه، وكان الجنى والثمرُ من الشجر، أُضيف على تقدير " مِنْ " كقولِك : هذا ثوبُ خَزّ ". ومَنْ نَوَّنَ جَعَلَ خَمْطاً وما بعدَه : إمَّا صفةً لأُكُل.
قال الزمخشري :" أو وُصِفَ الأُكُلَ بالخَمْط، كأنه قيل : ذواتَيْ أُكُلٍ بَشِعٍ ". قال الشيخُ :" والوصفُ بالأسماءِ لا يَطَّردُ، وإنْ كان قد جاء منه شيءٌ نحو قولهم : مررْتُ بقاع عَرْفَجٍ كلِّه ". الثاني : البدلُ مِنْ " أُكُل " قال أبو البقاء :" وجعل خَمْطاً أُكُلاً لمجاوَرَتِه إياه وكونِه سبباً له ". إلاَّ أنَّ الفارسيَّ رَدَّ كونَه بدلاً. قال :" لأنَّ الخَمْطَ ليس بالأُكُلِ نفسِه ". وقد تقدَّمَ جوابُ أبي البقاء. وأجاب بعضُهم عنه - وهو مُنْتَزَعٌ مِنْ كلام الزمخشري - أنه على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه : ذواتَيْ أُكُلٍ أُكُلِ خَمْطٍ. قال : والمحذوفُ هو الأولُ في الحقيقةِ. قلت : وهو حسنٌ في المعنى. الثالث : أنه عطفُ بيانٍ، وجعله أبو عليٍ أحسنَ ما في الباب. قال :" كأنَّه بَيَّنَ أنَّ الأُكُلَ هذه الشجرةُ " إلاَّ أنَّ عَطْفَ البيانِ لا يُجيزه البصريُّون في النكرات إنما يَخُصُّونه بالمعارفِ/.
قوله :" قليلٍ " نعتٌ ل " سِدْر ". وقيل : نعتٌ ل " أُكل ". وقال أبو البقاء :" ويجوز أَنْ يكونَ نعتاً ل " خَمْطٍ وأَثْلٍ وسِدْرٍ ". وقُرِئ " وأَثْلاً وشَيْئاً " بنصبهما عطفاً على جَنَّتَيْن. والأَثْلُ : شجرُ الطَّرْفاءِ، أو ما يُشْبِهها. والسِّدرَ سِدْران : سِدْرٌ له ثمرةٌ عَفْصَةٌ لا تُؤْكَلُ ولا يُنْتَفَعُ بورقِه في الاغتسال وهو الضالُّ، وسِدْرٌ له ثمرٌ يُؤْكَلُ وهو النَّبْقُ، ويُغْتَسُل بورقِه. ومراد الآيةِ : الأولُ.
| ٣٧٣٧ مِنْ سبأ الحاضرينَ مَأْرِبَ إذْ | يَبْنُون مِنْ دونِ سَيْلِه العَرِما |
قوله " " بجنَّتَيْهم جَنَّتَيْن " قد تقدَّم في البقرة أن المجرورَ بالباء هو الخارج، والمنصوبَ هو الداخلُ ؛ ولهذا غَلِط مَنْ قال من الفقهاء :" فلو أبدل ضاداً بظاءٍ بَطَلَتْ صلاتُه " بل الصواب أَنْ يُقال : ظاءً بضادٍ.
قوله :" أُكُلٍ خَمْطٍ " قرأ أبو عمرو على إضافة " أُكل " غير المضاف إلى " خَمْط ". والباقون بتنوينه غيرَ مضافٍ وقد تقدم في البقرةِ أنَّ ابنَ عامرٍ وأبا عمرو والكوفيين يضمون كاف " أكل " غير المضاف لضمير المؤنثةِ، وأن نافعاً وابن كثير يُسَكِّنونها بتفصيل هناك تقدَّمَ تحريرُه، فيكونُ القرَّاءُ هنا على ثلاثِ مراتبَ، الأولى : لأبي عمروٍ " أُكُلِ خَمْط " بضم كاف " أُكُلٍ " مضافاً ل " خَمْطٍ ". الثانية : لنافعٍ وابن كثير تسكينُ كافِه وتنوينِه. الثالثة : للباقين ضَمُّ كافِه وتنوينه. فَمَنْ أضافَ جَعَلَ " الأكل " بمعنى الجنى والثمر. والخَمْطُ قيل : شجرُ الأَراك. وقيل : كلُّ شجرٍ ذي شَوْكٍ. وقيل : كلُّ نَبْتٍ أَخَذَ طعماً مِنْ مرارة. وقيل : شجرةٌ لها ثَمَرٌ تشبه الخَشْخاشَ لا يُنْتَفَعُ به.
قوله :﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ﴾ معطوفان على " أُكُل " لا على " خَمْط " لأنَّ الخَمْطَ لا أُكُلَ له. وقال مكي :" لَمَّا لم يَجُزْ أَنْ يكونَ الخمطُ نعتاً للأكل ؛ لأنَّ الخَمْطَ اسمُ شجرٍ بعينه، ولا بدلاً لأنه ليس الأولَ ولا بعضَه، وكان الجنى والثمرُ من الشجر، أُضيف على تقدير " مِنْ " كقولِك : هذا ثوبُ خَزّ ". ومَنْ نَوَّنَ جَعَلَ خَمْطاً وما بعدَه : إمَّا صفةً لأُكُل.
قال الزمخشري :" أو وُصِفَ الأُكُلَ بالخَمْط، كأنه قيل : ذواتَيْ أُكُلٍ بَشِعٍ ". قال الشيخُ :" والوصفُ بالأسماءِ لا يَطَّردُ، وإنْ كان قد جاء منه شيءٌ نحو قولهم : مررْتُ بقاع عَرْفَجٍ كلِّه ". الثاني : البدلُ مِنْ " أُكُل " قال أبو البقاء :" وجعل خَمْطاً أُكُلاً لمجاوَرَتِه إياه وكونِه سبباً له ". إلاَّ أنَّ الفارسيَّ رَدَّ كونَه بدلاً. قال :" لأنَّ الخَمْطَ ليس بالأُكُلِ نفسِه ". وقد تقدَّمَ جوابُ أبي البقاء. وأجاب بعضُهم عنه - وهو مُنْتَزَعٌ مِنْ كلام الزمخشري - أنه على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه : ذواتَيْ أُكُلٍ أُكُلِ خَمْطٍ. قال : والمحذوفُ هو الأولُ في الحقيقةِ. قلت : وهو حسنٌ في المعنى. الثالث : أنه عطفُ بيانٍ، وجعله أبو عليٍ أحسنَ ما في الباب. قال :" كأنَّه بَيَّنَ أنَّ الأُكُلَ هذه الشجرةُ " إلاَّ أنَّ عَطْفَ البيانِ لا يُجيزه البصريُّون في النكرات إنما يَخُصُّونه بالمعارفِ/.
قوله :" قليلٍ " نعتٌ ل " سِدْر ". وقيل : نعتٌ ل " أُكل ". وقال أبو البقاء :" ويجوز أَنْ يكونَ نعتاً ل " خَمْطٍ وأَثْلٍ وسِدْرٍ ". وقُرِئ " وأَثْلاً وشَيْئاً " بنصبهما عطفاً على جَنَّتَيْن. والأَثْلُ : شجرُ الطَّرْفاءِ، أو ما يُشْبِهها. والسِّدرَ سِدْران : سِدْرٌ له ثمرةٌ عَفْصَةٌ لا تُؤْكَلُ ولا يُنْتَفَعُ بورقِه في الاغتسال وهو الضالُّ، وسِدْرٌ له ثمرٌ يُؤْكَلُ وهو النَّبْقُ، ويُغْتَسُل بورقِه. ومراد الآيةِ : الأولُ.