التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري

عن الكتاب
ومن قصة آل داوود التي يتجلى فيها فضل الله ومقابلة فضله بالشكر، انتقل كتاب الله إلى قصة، ( سبأ ) التي يتجلى فيها فضل الله، لكن مع مقابلته بالجحود والكفر :
أما فضل الله على سبأ فينطق به قوله تعالى :﴿لقد كان لسبإ في مساكنهم آية، جنتان عن يمين وشمال، كلوا من رزق ربكم واشكروا له، بلدة طيبة ورب غفور( ١٥ )﴾، وقوله تعالى :﴿وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة، وقدرنا فيها السير، سيروا فيها ليالي وأياما –آمنين( ١٨ )﴾.
وأما جحود سبأ وكفرهم بنعمة الله، وما نشأ عنه من تبدل الأحوال، والتعرض للدمار والزوال، فينطق به قوله تعالى :﴿فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم، وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل( ١٦ ) ذلك جازيناهم بما كفروا، وهل يجازى إلا الكفور( ١٧ )﴾، وقوله تعالى :﴿فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا، وظلموا أنفسهم، فجعلناهم أحاديث، ومزقناهم كل ممزق، إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور( ١٩ ) ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، إلا فريقا من المؤمنين( ٢٠ )﴾
لكن لما أعرض قوم سبأ عن عبادة الله وطاعته، وانصرفوا عن شكره على نعمته، بطرا وطغيانا، وجحودا وكفرانا، بدلهم الله من حال إلى حال، وسلط عليهم الكوارث والأهوال، فتهدم ( سد مأرب ) الذي كان يعد من أعاجيب العالم القديم، إذ كان أوسع السدود وأشهرها، ( وهو يبعد عن مدينة صنعاء بنحو ستين ميلا، ولا تزال بقاياه ماثلة للعيان إلى الآن ) وطغى ماء السد وماء السيل على ما كان عندهم من بساتين ومزارع وأبنية، فذهب العمران والازدهار، وحل محله الخراب والدمار، وذلك معنى قوله تعالى :﴿فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم﴾، و( العرم ) السيل الذي لا يطاق.
يقول تعالى :﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل، وشيء من سدر قليل﴾، ها هنا يبين كتاب الله ما حل بمزارعهم ومعايشهم من ضياع وإهمال، حيث تحولت البساتين والمزارع إلى غابات وأدغال، والمراد " بالخمط " كل شجر ذي شوك فيه مرارة، ( والأثل ) نوع من الخشب شبيه بالطرفاء لا ثمرة له في الغالب، و( السدر ) شجر النبق، وبعدما أصبح السدر أحسن أشجارهم لم يبق منه إلا القليل. وإنما قال تعالى :﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين دواتي أكل خمط وأثل﴾، لأجل ( المشاكلة ) بين النوعين، على غرار قوله تعالى :﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾، إذ مثل هذا النبات الوحشي لا يسمى في الحقيقة ( جنة ) ولا بستانا. ثم عقب كتاب الله على ذلك بقوله :﴿ذلك جازيناهم بما كفروا، وهل يجزى إلا الكفور( ١٧ )﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى