فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي

عن الكتاب
الآخرة كما يحمدونه في الدنيا؛ لأن النعم في الدارين منه، وحذفت إحداهما لدلالة الأخرى عليها.
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ المحكِم لأمور الدارين ﴿الْخَبِيرُ﴾ بالأشياء؛ لأن وجودها إنما هو به جلَّت قدرتُه.
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾.
[٢] ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يدخل فيها من الأموات والكنوز والدفائن وغيرها ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات والأموات عند الحشر، وماء العيون وسائر المخرَجات.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الوحي والرسل والكتب والأقدار والأمطار والصواعق والشهب.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: يصعد فيها (١) من الملائكة والأعمال.
﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ للمفرِّطين في شكر نعمته.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ استهزاءً واستبطاء للبعث: {لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ
(١) "فيها" ساقطة من: "ت".
قُلْ} لهم يا محمد: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ الساعة. قرأ أبو بكر عن عاصم: (بَلَى) بالإمالة (١).
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ورويس عن يعقوب: (عَالِمُ) برفع الميم على الاستئناف؛ أي: هو عالم الغيب، وقرأ الباقون: بخفضها من نعت قوله تعالى: (وَرَبِّي)، وقرأ منهم حمزة، والكسائي: (عَلَّامِ) بتشديد اللام على وزن فَعّال وجر الميم على المبالغة (٢)، روي أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان بن حرب، قال: واللات والعزى ما ثَمَّ ساعة تأتي، ولا قيام ولا حشر، فأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - أن يُقسم بربه مقابلة (٣) لقسم أبي سفيان؛ ردًّا وتكذيبًا وإيجابًا لما نفاه.
﴿لَا يَعْزُبُ﴾ قرأ الكسائي: بكسر الزاي، والباقون: بضمها؛ أي: لا يغيب.
﴿عَنْهُ مِثْقَالُ﴾ أي: وزن ﴿ذَرَّةٍ﴾ أي: نملة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: المثقال ﴿وَلَا أَكْبَرُ﴾ ورفعُهما عطف على (مِثْقَالُ).
﴿إِلَّا﴾ وهو مثبت.
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤١).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٩ - ١٨٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤١ - ١٤٢).
(٣) "بربه مقابلة" زيادة من "ت".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى