اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿قُلْ إنَّما أعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أي آمركم وأوصيكم بواحدة أي بخصلة واحدة ثم بين تلك الخصلة فقال :﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ أي لأجل الله.
قوله :«أن تقوموا » فيه أوجه :
أحدها : أنها مجرورة المحل بدلاً من «وَاحِدَةٍ » على سبيل البيان. قاله الفارسي(١).
الثاني : أنها عطف بيان «لواحدة » قاله الزمخشري(٢). وهو مردود لتخالفها تعريفاً وتنكيراً، وقد تقدم هذا عند قوله :﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
الثالث : أنها منصوبة بإضمار «أَعْنِي »(٣).
الرابع : أنها مرفوعة على خبر ابتداء مضمر أي هي أن تقوموا(٤)، و «مَثْنَى وفُرَادَى » حال(٥). وتقدم تحقيق القول في «مثنى » وبابه في سورة النساء(٦)، ومضى القول في «فُرَادَى » في الأنعام(٧)، ومعنى «مَثْنَى » أي اثنين اثنين، و «فُرَادَى » واحداً واحداً. ثم قوله :﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ عطف على «أنْ تَقُومُوا » أي قِيَامكُمْ ثم تَفَكُّركُمْ، والوقف عند أبي حاتم على هذه الآية ثم يتبدئ :«مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةِ »(٨). وقال مقاتل : تم الكلام ( عند )(٩) قوله :﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أي في خلق السموات والأرض فتعلموا أن خالقهما واحد لا شريك له(١٠).
قوله :﴿مَا بِصَاحِبكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ وفي «ما » هذه قولان :
أحدهما : أنها نافية(١١)
والثاني : أنها استفهامية(١٢) لكن لا يراد به حقيقة الاستفهام فيعود إلى النفي. وإذا كانت نافية فهل هي معلقة أو مستأنفة أو جواب القسم الذي تضمنه معنى «تَتَفَكَّرُوا » لأنه فعل تحقيق كتَبَيَّنَ وبابه ؟ ثلاثة أوجه نَقَل الثَّالِثَ ابنُ عطية(١٣). وربما نسبه لِسِيبويهِ، وإذا كانت استفهامية جاز فيها الوجهان الأولان دون الثالث و «مِنْ جنَّةٍ » يجوز أن يكون فاعلاً بالجار(١٤) لاعتماده(١٥) وأن يكون مبتدأ(١٦)، ويجوز في «ما » إذا كانت نافية أن تكون الحجَازيَّة أو التَّمِيميَّة(١٧).
قوله :﴿مثنى وفرادى﴾ إشارة إلى جميع الأحوال فإن الإنسان إما أن يكون مع غيره فيدخل في قوله «مَثْنَى » وإن كان وحده دخل في قوله :«فُرَادَى » فكأنه قال : تَقُومُوا لله مجتَمعِينَ ومُنْفَرِدِين لا يمنعكم الجمعيَّةُ من ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يُعينكم على ذكر الله(١٨)، ثم تتفكروا في حال محمد - ﷺ - فتعلموا ما بصاحبكم من «جنة » جنون. وليس المراد من القيام القيام ضد الجلوس وإنما هو القيام بالأمر الذي هو طلب الحق(١٩) كقوله :﴿وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط﴾ [النساء: ١٢٧] قال ابن الخطيب(٢٠) : وقوله :﴿بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ يفيد كونه رسولاً وإن كان لا يلزم في كل من لا يكون به جنة أن يكون رسولا، لأن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يظهر من أشياء لا تكون مقدورة للبشر وغير البشر من(٢١) يظهر منه العجائب إما الجن وإما الملك فإذا لم يكن الصادر من النبي - عليه السلام- بواسطة الجن بل(٢٢) بقدرة الله من غير واسطة وعلى التقديرين فهو رسول الله وهذا من أحسن الطُّرق، وهو الذي يثبت الصفة التي هي أشرف الصفات في البشر بنفي أخسِّ الصفات فإنه لو قال أولاً هو رسول كانوا يقولون فيه النِّزاع فإذا قال : ما هو مجنون لم يسعهم إنكار ذلك، ليعلمهم بعلو شأنه وحاله في قوة لسانه، فإذا ساعدوا على ذلك لزمتهم المسألة ولهذا قال بعده :﴿إنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ يعني إما هو به جِنّة أو هو رسول لكن تبين أنه ليس به جنة فهو نذير.
وقوله :﴿بَيْنَ يَدِيْ عَذَابِ شَدِيدٍ﴾ إشارة إلى قرب العذاب كأنه قال ينذركم بعذاب حاضر يَمَسّكم عن قريبٍ(٢٣).
قوله :«أن تقوموا » فيه أوجه :
أحدها : أنها مجرورة المحل بدلاً من «وَاحِدَةٍ » على سبيل البيان. قاله الفارسي(١).
الثاني : أنها عطف بيان «لواحدة » قاله الزمخشري(٢). وهو مردود لتخالفها تعريفاً وتنكيراً، وقد تقدم هذا عند قوله :﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
الثالث : أنها منصوبة بإضمار «أَعْنِي »(٣).
الرابع : أنها مرفوعة على خبر ابتداء مضمر أي هي أن تقوموا(٤)، و «مَثْنَى وفُرَادَى » حال(٥). وتقدم تحقيق القول في «مثنى » وبابه في سورة النساء(٦)، ومضى القول في «فُرَادَى » في الأنعام(٧)، ومعنى «مَثْنَى » أي اثنين اثنين، و «فُرَادَى » واحداً واحداً. ثم قوله :﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ عطف على «أنْ تَقُومُوا » أي قِيَامكُمْ ثم تَفَكُّركُمْ، والوقف عند أبي حاتم على هذه الآية ثم يتبدئ :«مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةِ »(٨). وقال مقاتل : تم الكلام ( عند )(٩) قوله :﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أي في خلق السموات والأرض فتعلموا أن خالقهما واحد لا شريك له(١٠).
قوله :﴿مَا بِصَاحِبكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ وفي «ما » هذه قولان :
أحدهما : أنها نافية(١١)
والثاني : أنها استفهامية(١٢) لكن لا يراد به حقيقة الاستفهام فيعود إلى النفي. وإذا كانت نافية فهل هي معلقة أو مستأنفة أو جواب القسم الذي تضمنه معنى «تَتَفَكَّرُوا » لأنه فعل تحقيق كتَبَيَّنَ وبابه ؟ ثلاثة أوجه نَقَل الثَّالِثَ ابنُ عطية(١٣). وربما نسبه لِسِيبويهِ، وإذا كانت استفهامية جاز فيها الوجهان الأولان دون الثالث و «مِنْ جنَّةٍ » يجوز أن يكون فاعلاً بالجار(١٤) لاعتماده(١٥) وأن يكون مبتدأ(١٦)، ويجوز في «ما » إذا كانت نافية أن تكون الحجَازيَّة أو التَّمِيميَّة(١٧).
قوله :﴿مثنى وفرادى﴾ إشارة إلى جميع الأحوال فإن الإنسان إما أن يكون مع غيره فيدخل في قوله «مَثْنَى » وإن كان وحده دخل في قوله :«فُرَادَى » فكأنه قال : تَقُومُوا لله مجتَمعِينَ ومُنْفَرِدِين لا يمنعكم الجمعيَّةُ من ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يُعينكم على ذكر الله(١٨)، ثم تتفكروا في حال محمد - ﷺ - فتعلموا ما بصاحبكم من «جنة » جنون. وليس المراد من القيام القيام ضد الجلوس وإنما هو القيام بالأمر الذي هو طلب الحق(١٩) كقوله :﴿وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط﴾ [النساء: ١٢٧] قال ابن الخطيب(٢٠) : وقوله :﴿بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ يفيد كونه رسولاً وإن كان لا يلزم في كل من لا يكون به جنة أن يكون رسولا، لأن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يظهر من أشياء لا تكون مقدورة للبشر وغير البشر من(٢١) يظهر منه العجائب إما الجن وإما الملك فإذا لم يكن الصادر من النبي - عليه السلام- بواسطة الجن بل(٢٢) بقدرة الله من غير واسطة وعلى التقديرين فهو رسول الله وهذا من أحسن الطُّرق، وهو الذي يثبت الصفة التي هي أشرف الصفات في البشر بنفي أخسِّ الصفات فإنه لو قال أولاً هو رسول كانوا يقولون فيه النِّزاع فإذا قال : ما هو مجنون لم يسعهم إنكار ذلك، ليعلمهم بعلو شأنه وحاله في قوة لسانه، فإذا ساعدوا على ذلك لزمتهم المسألة ولهذا قال بعده :﴿إنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ يعني إما هو به جِنّة أو هو رسول لكن تبين أنه ليس به جنة فهو نذير.
وقوله :﴿بَيْنَ يَدِيْ عَذَابِ شَدِيدٍ﴾ إشارة إلى قرب العذاب كأنه قال ينذركم بعذاب حاضر يَمَسّكم عن قريبٍ(٢٣).
١ وقاله أبو البقاء أيضا في التبيان ٢/١٠٧٠ والبيان لابن الأنباري ٢/٢٨٣ ومكي في مشكل الإعراب ٢/٢١٢ وأبو حيان في البحر ٧/٢٩٠ والشهاب السمين في الدر ٤/٤٥٤. وقد نقل أبو حيان في بحره السابق رأي أبي علي..
٢ الكشاف ٣/٢٩٤..
٣ قاله التبيان ١٠٧٠..
٤ التبيان السابق، والبيان والمشكل السابقان أيضا..
٥ الدر المصون ٤/٤٥٤..
٦ عند قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ وهي الآية ٣ منها..
٧ من قوله: ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم﴾ وهي الآية ٩٤. والقائلون بالجمع اختلفوا في مفرده فقيل فرد، أو فريد أو فرد أو فردان. وقيل: اسم جمع وانظر اللباب ٣/١٩٧ ب..
٨ انظر: البحر ٧/٢٩١..
٩ سقط من "ب"..
١٠ البغوي ٥/٢٩٥..
١١ قاله في التبيان ١٠٧٠..
١٢ قال بذلك الزمخشري في الكشاف ٣/٢٩٥ والفراء في معانيه ٢/٣٦٣ فقد قال الزمخشري: "وقد جوز بعضهم أن تكون ما استفهامية " وقال الفراء :"ثم تتفكروا هل جربتم على محمد كذبا أو رأيتم به جنونا ففي ذلك ما يتيقنون أنه نبي"..
١٣ البحر المحيط ٧/٢٩١ وقد نقل وجهي التعليق والاستئناف أبو حيان في بحره ٧/٢٩١ وكذلك شهاب الدين السمين في الدر ٤/٤٥٤ بينما نقل وجه جواب القسم السمين فقط ٤/٤٥٤ والتعليق يكون بالنفي والجملة تكون حينئذ في محل نصب وهو محط التفكر، أي تتفكروا في انتفاء الجنة عن محمد ﷺ وهذا يشبه قول الله: "وظنوا ما لهم من محيص " بتصرف ٧/٢٩١ والهمع ١/١٥٤..
١٤ وهو صاحب..
١٥ على نفي أو استفهام..
١٦ على اعتبار "من" مزيدة والخبر "بصاحب" وتحقق زيادة "من" بعد وقوعها بعد استفهام أو نفي..
١٧ فإذا كانت حجازية كان اسمها "جنة" وخبرها "بصاحب" وإذا كانت تميمية كان "بصاحب" خبر مقدم و "جنة" مبتدأ مؤخر كما قال أعلى. ولست أدري كيف جعل المؤلف "ما" حجازية لتقدم الخبر لأن الخبر إذا تقدم على اسمها لا تعد "ما" عاملة بل مهملة. انظر: السمين ٤/٣٥٥ والكتاب ١/١٢٢..
١٨ قاله الرازي ٢٥/٢٦٨..
١٩ قاله البغوي في معالم التنزيل ٥/٢٩٥..
٢٠ قاله في تفسيره "التفسير الكبير" ٢٥/٢٩٥..
٢١ فيه: ممن..
٢٢ فيه: أو بقدرة الله تعالى من غير واسطة بحرف العطف "أو"..
٢٣ الفخر الرازي ٢٥/٢٦٩ المرجع السابق..
٢ الكشاف ٣/٢٩٤..
٣ قاله التبيان ١٠٧٠..
٤ التبيان السابق، والبيان والمشكل السابقان أيضا..
٥ الدر المصون ٤/٤٥٤..
٦ عند قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ وهي الآية ٣ منها..
٧ من قوله: ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم﴾ وهي الآية ٩٤. والقائلون بالجمع اختلفوا في مفرده فقيل فرد، أو فريد أو فرد أو فردان. وقيل: اسم جمع وانظر اللباب ٣/١٩٧ ب..
٨ انظر: البحر ٧/٢٩١..
٩ سقط من "ب"..
١٠ البغوي ٥/٢٩٥..
١١ قاله في التبيان ١٠٧٠..
١٢ قال بذلك الزمخشري في الكشاف ٣/٢٩٥ والفراء في معانيه ٢/٣٦٣ فقد قال الزمخشري: "وقد جوز بعضهم أن تكون ما استفهامية " وقال الفراء :"ثم تتفكروا هل جربتم على محمد كذبا أو رأيتم به جنونا ففي ذلك ما يتيقنون أنه نبي"..
١٣ البحر المحيط ٧/٢٩١ وقد نقل وجهي التعليق والاستئناف أبو حيان في بحره ٧/٢٩١ وكذلك شهاب الدين السمين في الدر ٤/٤٥٤ بينما نقل وجه جواب القسم السمين فقط ٤/٤٥٤ والتعليق يكون بالنفي والجملة تكون حينئذ في محل نصب وهو محط التفكر، أي تتفكروا في انتفاء الجنة عن محمد ﷺ وهذا يشبه قول الله: "وظنوا ما لهم من محيص " بتصرف ٧/٢٩١ والهمع ١/١٥٤..
١٤ وهو صاحب..
١٥ على نفي أو استفهام..
١٦ على اعتبار "من" مزيدة والخبر "بصاحب" وتحقق زيادة "من" بعد وقوعها بعد استفهام أو نفي..
١٧ فإذا كانت حجازية كان اسمها "جنة" وخبرها "بصاحب" وإذا كانت تميمية كان "بصاحب" خبر مقدم و "جنة" مبتدأ مؤخر كما قال أعلى. ولست أدري كيف جعل المؤلف "ما" حجازية لتقدم الخبر لأن الخبر إذا تقدم على اسمها لا تعد "ما" عاملة بل مهملة. انظر: السمين ٤/٣٥٥ والكتاب ١/١٢٢..
١٨ قاله الرازي ٢٥/٢٦٨..
١٩ قاله البغوي في معالم التنزيل ٥/٢٩٥..
٢٠ قاله في تفسيره "التفسير الكبير" ٢٥/٢٩٥..
٢١ فيه: ممن..
٢٢ فيه: أو بقدرة الله تعالى من غير واسطة بحرف العطف "أو"..
٢٣ الفخر الرازي ٢٥/٢٦٩ المرجع السابق..