البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿قل إنما أعظكم بواحدة﴾، قال : هي طاعة الله وتوحيده.
وقال السدي : هي لا إله إلاّ الله.
قال قتادة : هي أن تقوموا.
قال أبو علي :﴿أن تقوموا﴾ في موضع خفض على البدل من واحدة.
وقال الزمخشري :﴿بواحدة﴾ : بخصلة واحدة، وهو فسرها بقوله :﴿أن تقوموا﴾ على أن عطف بيان لها. انتهى.
وهذا لا يجوز، لأن بواحدة نكرة، وأن تقوموا معرفة لتقديره قيامكم لله.
وعطف البيان فيه مذهبان : أحدهما : أنه يشترط فيه أن يكون معرفة من معرفة، وهو مذهب الكوفيين، وأما التخالف فلم يذهب إليه ذاهب، وإنما هو وهم من قائله.
وقد ردّ النحويون على الزمخشري في قوله :﴿إن مقام إبراهيم﴾
عطف بيان من قوله :﴿آيات بينات﴾ وذلك لأجل التحالف، فكذلك هذا.
والظاهر أن القيام هنا هو الانتصاب في الأمر، والنهوض فيه بالهمة، لا القيام الذي يراد به المقول على القولين، ويبعد أن يراد به ما جوزه الزمخشري من القيام عن مجلس رسول الله ﷺ، وتفرقهم عن مجتمعهم عنده.
والمعنى : إنما أعظكم بواحدة فيها إصابتكم الحق وخلاصكم، وهي أن تقوموا لوجه الله متفرقين اثنين اثنين، وواحداً واحداً، ثم تتفكروا في أمر محمد وما جاء به.
وإنما قال :﴿مثنى وفرادى﴾، لأن الجماعة يكون مع اجتماعهم تشويش الخاطر والمنع من التفكر، وتخليط الكلام، والتعصب للمذاهب، وقلة الإنصاف، كما هو مشاهد في الدروس التي يجتمع فيها الجماعة، فلا يوقف فيها على تحقيق.
وأما الاثنان، إذا نظرا نظر إنصاف، وعرض كل واحد منهما على صاحبه ما ظهر له، فلا يكاد الحق أن يعدوهما.
وأما الواحد، إذا كان جيد الفكر، صحيح النظر، عارياً عن التعصب، طالباً للحق، فبعيد أن يعدوه.
وانتصب ﴿مثنى وفرادى﴾ على الحال، وقدم مثنى، لأن طلب الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة، إذا انقدح الحق بين الاثنين، فكر كل واحد منهما بعد ذلك، فيزيد بصيرة.
قال الشاعر :
إذا اجتمعوا جاءوا بكل غريبةفيزداد بعض القوم من بعضهم علما
﴿ثم تتفكروا﴾ : عطف على ﴿أن تقوموا﴾، فالفكرة هنا في حال رسول الله ﷺ، وفيما نسبوه إليه.
فإن الفكرة تهدي غالباً إلى الصواب إذا عرى صاحبها عما يشوش النظر، والوقف عند أبي حاتم عند قوله :﴿ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة﴾، نفي مستأنف.
قال ابن عطية : وهو عند سيبويه جواب ما ينزل منزلة القسم، لأن تفكر من الأفعال التي تعطي التمييز كتبين، ويكون على هذا في آيات الله والإيمان به. انتهى.
واحتمل أن يكون تتفكروا معلقاً، والجملة المنفية في موضع نصب، وهو محط التفكر، أي ثم تتفكروا في انتفاء الجنة على محمد ﷺ.
فإن إثبات ذلك لا يصح أن يتصف به من كان أرجح قريش عقلاً، وأثبتهم ذهناً، وأصدقهم قولاً، وأنزههم نفساً، ومن ظهر على يديه هذا القرآن المعجز، فيعلمون بالفكرة أن نسبته للجنون لا يمكن، ولا يذهب إلى ذلك عاقل، وأن من نسبه إلى ذلك فهو مفتر كاذب.
والظاهر أن ما للنفي، كما شرحنا.
وقيل : ما استفهام، وهو استفهام لا يراد به حقيقته، بل يؤول معناه إلى النفي، التقدير : أي شيء بصاحبكم من الجنون، أي ليس به شيء من ذلك.
ولما نفى تعالى عنه الجنة أثبت أنه ﴿نذير﴾، ﴿بين يدي عذاب شديد﴾ : أي هو متقدم في الزمان على العذاب الذي توعدوا به، وبين يدي يشعر بقرب العذاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى