تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٤٦ وقوله تعالى :﴿قل إنما أعظكم بواحدة﴾ قال بعضهم :﴿بواحدة﴾ أي بكلمة الإخلاص والتوحيد. وقال بعضهم : أي بطاعة الله. وقال بعضهم :﴿بواحدة﴾ أي بكلمة واحدة كقول الرجل لصاحبه : أكلّمك كلمة واحدة، واسمع مني كلمة، لكن الواحدة التي وعظهم بها عندنا ما ذكر على إثره حين(١) قال :﴿أن تقوموا لله﴾ بها(٢) جميعا ﴿مثنى وفرادى ثم تتفكّروا﴾ وتنظروا في ما بينكم هل أرى منكم جنونا به قط ؟
وقال بعضهم : يريد بال ﴿مثنى﴾ أن يتناظر الرجلان في أمر النبي ﴿وفرادى﴾ [ أن يتفكر كل واحد ](٣) فإن في ذلك ما يدل على أن النبي ليس بمجنون ولا كذّاب على ما يزعمون.
ثم كان الذي حملهم على أن ينسبوه إلى الجنون وجوها.
أحدهما : أنهم رأوه قد خالف الفراعنة والجبابرة الذين كانوا يقتلون من خالفهم على الغضب في أدنى شيء بلا أعوان ولا أتباع له، فقالوا : لا يخاطر بهذا إلا من به جنون، فنسبوه إلى الجنون.
والثاني : أنهم رأوه قد خالف دينهم ودين آبائهم جملة من بينهم، فقالوا : لا يُحتمل أن يصيب [ أحد ديننا ](٤) بعقله من بين الكل، لا يصيب أحد ذلك. فاتهموه [ بجنون ](٥) العقل.
والثالث : أنه كان في حال صغره وصباه، لم يروه اشتغل بشيء من اللعب، أو خالط الصبيان في شيء من أمورهم، بل اعتزلهم من صباه إلى أوان(٦) الوقت الذي بلغ، فقالوا : إن به جنونا، وإلا لم يعتزل الناس كل هذا الاعتزال.
ثم أخبر أنكم لو تفكّرتم، ونظرتم، عرفتم(٧) أن ليس بصاحبكم جنون ﴿إن هو﴾ أي ما هو ﴿إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ في الآخرة، إن عصيتم أي رسول الله إليكم ﴿بين يدي عذاب شديد﴾ في الآخرة، إن عصيتم عوقبتم في الآخرة.
وقال بعضهم في قوله :﴿أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكّروا ما بصاحبكم من جِنّة﴾ يقول، والله أعلم، ألا يتفكر الرجل منكم وحده أو مع صاحبه، فينظر أن من(٨) خلق السماوات والأرض وما بينهما، الذي خلق هذه الأشياء وحده، أنه واحد، لا شريك له ؟ وإن محمدا لصادق في قوله : إن الله واحد، لا شريك [ له ](٩) وما به جنون ﴿إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: بهما..
٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: أي تفكروا قط..
٤ في الأصل وم: دينا..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: آن..
٧ أدرج قبلها في الأصل وم: ثم..
٨ في الأصل وم: في..
٩ ساقطة من الأصل وم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى