البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ولما ذكر تعالى أنه يقذف بالحق بصيغة المضارع، أخبر أن الحق قد جاء، وهو القرآن والوحي، وبطل ما سواه من الأديان، فلم يبق لغير الإسلام ثبات، لا في بدء ولا في عاقبة، فلا يخاف على الإسلام ما يبطله، كما قال :﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ وقال قتادة : الباطل : الشيطان، لا يخلق شيئاً ولا يبعثه.
وقال الضحاك : الأصنام لا تفعل ذلك.
وقال أبو سليمان : لا يبتدىء الصنم من عنده كلاماً فيجاب، ولا يرد ما جاء من الحق بحجة.
وقيل : الباطل : الذي يضاد الحق، فالمعنى : ذهب الباطل بمجيء الحق، فلم يبقى منه بقية، وذلك أن الجائي إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة، فصار قولهم : لا يبدي ولا يعيد، مثلاً في الهلاك، ومنه قول الشاعر :
أفقر من أهيله عبيدفاليوم لا يبدي ولا يعيد
والظاهر أن ما نفي، وقيل : استفهام ومآله إلى النفي، كأنه قال : أي شيء يبدىء الباطل، أي إبليس، ويعيده، قاله الزجاج وفرقة معه.
وعن الحسن : لا يبدىء، أي إبليس، لأهله خيراً، ولا يعيده : أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة.
وقيل : الشيطان : الباطل، لأنه صاحب الباطل، لأنه هالك، كما قيل له الشيطان من شاط إذا هلك.
وقيل : الحق : السيف.
عن ابن مسعود : دخل رسول الله ﷺ مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود نبقة ويقول :« ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً﴾، ﴿جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد﴾ ».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى