فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
ثم ذكر سبحانه حالاً من أحوال الكفار، فقال :﴿وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ﴾، والخطاب لرسول الله، أو لكل من يصلح له قيل : المراد فزعهم عند نزول الموت بهم. وقال الحسن : هو فزعهم في القبور من الصيحة، وقال قتادة : هو فزعهم إذا خرجوا من قبورهم. وقال السدّي : هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة، فلم يستطيعوا فراراً ولا رجوعاً إلى التوبة. وقال ابن مغفل : هو فزعهم إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة. وقال سعيد بن جبير : هو الخسف الذي يخسف بهم في البيداء، فيبقى رجل منهم، فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعون. وجواب لو محذوف، أي لرأيت أمراً هائلاً، ومعنى ﴿فَلاَ فَوْتَ﴾ فلا يفوتني أحد منهم، ولا ينجو منهم ناجٍ. قال مجاهد : فلا مهرب ﴿وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ من ظهر الأرض، أو من القبور، أو من موقف الحساب. وقيل : من حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يبعدون عنه، ولا يفوتونه. قيل ويجوز أن يكون هذا الفزع هو الفزع الذي بمعنى : الإجابة، يقال : فزع الرجل : إذا أجاب الصارخ الذي يستغيث به كفزعهم إلى الحرب يوم بدر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿فَلاَ فَوْتَ﴾ قال : فلا نجاة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال : هو جيش السفياني قيل : من أين أخذوا ؟ قال : من تحت أقدامهم. وقد ثبت في الصحيح : أنه يخسف بجيش في البيداء من حديث حفصة وعائشة، وخارج الصحيح من حديث أمّ سلمة، وصفية، وأبي هريرة، وابن مسعود، وليس في شيء منها أن ذلك سبب نزول هذه الآية، ولكنه أخرج ابن جرير من حديث حذيفة بن اليمان قصة الخسف هذه مرفوعة، وقال في آخرها : فذلك قوله عزّ وجلّ في سورة سبأ :﴿وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ﴾ الآية. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله :﴿وأنى لَهُمُ التناوش﴾ قال : كيف لهم الردّ ؟ ﴿مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ﴾ قال : يسألون الردّ، وليس بحين ردّ. وأخرج ابن المنذر عن التيمي قال : أتيت ابن عباس قلت : ما التناوش ؟ قال : تناول الشيء، وليس بحين ذاك.