الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿جُندٌ﴾ : يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما : وهو الظاهرُ أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي : هم جُنْدٌ. و " ما " فيها وجهان، أحدهما : أنها مزيدةٌ. والثاني : أنَّها صفةٌ ل " جُنْدٌ " على سبيلِ التعظيم للهُزْءِ بهم أن للتحقير، فإنَّ " ما " الصفة تُستعمل لهذين المعنيين. ومثلُه قولُ امرىءِ القيس :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** وحَديثٌ ما على قِصَرِهْ
وقد تقدَّم هذا في أوائلِ البقرة. و " هنالك " يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أَنْ يكونَ خبر الجند و " ما " مزيدةٌ و " مَهْزُوم " نعتٌ ل " جُنْد " ذكره مكيٌّ. الثاني : أَنْ يكون صفةً ل " جند ". والثالث : أَنْ يكونَ منصوباً بمهزوم. ومَهْزوم يجوزُ فيه أيضاً وجهان، أحدهما : أنه خبرٌ ثانٍ لذلك المبتدأ المقدرِ. والثاني : أنه صفةٌ ل " جُنْد " إلاَّ أنَّ الأحسنَ على هذا الوجهِ أَنْ لا يُجْعَلَ " هنالك " صفةً بل متعلقاً به، لئلا يَلْزَمَ تقدُّم الوصفِ غيرِ الصريح على الصَّريح. و " هنالك " مشارٌ به إلى موضعِ التقاوُلِ والمجاوزةِ بالكلمات السابقة وهو مكةُ أي : سيُهزمون بمكةَ وهو إخبارٌ بالمغيَّبِ. وقيل : مُشارٌ به إلى نُصرةِ الأصنامِ. وقيل : إلى حَفْرِ الخندقِ يعني : إلى مكانِ ذلك. الثاني من الوجهين الأولين : أَنْ يكونَ " جندٌ " مبتدأ و " ما " مزيدةٌ. و " هنالك " نعتٌ و " مهزوم " خبرُه قاله أبو البقاء. قال الشيخ :" وفيه بُعْدٌ لتفلُّتِه عن الكلامِ الذي قبلَه ". قلت : وهذا الوجهُ المنقولُ عن أبي البقاءِ سبقه إليه مكي.
قوله :" من الأحزاب " يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً ل " جُند "، وأنْ يكونَ صفةً ل " مهزومٌ ". وجَوَّزَ أبو البقاء أَنْ يكونَ متعلقاً به. وفيه بُعْدٌ ؛ لأنَّ المرادَ بالأحزاب هم المهزومون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى