تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق﴾ وهو على التقديم والتأخير ؛ كأنه قال عز وجل إنا سخرنا الجبال يسبحن، أخبر أنه سخر الجبال والطير وما ذكر لداوود كي يطعنه، ويسبحن معه.
وفيه لطف من الله عز وجل في هذه الأشياء، والخصوصية لداوود في ذلك حين صير الجبال والطير بحيث يقفن وقت تسبيح داوود معه على ما أخبر عز وجل.
وفيه لطف من الله عز وجل حيث صير الجبال مع شدتها وصلابتها بحيث تعرف وقت تسبيح داوود، وتعرف تسبيحه، وتسبح، وتلين له.
فجائز أن يجعل قلب الكافر بحيث يلين، ويخضع لله بلطفه، إذ قلبه ليس أشد قسوة وصلابة من الجبال. فإذا جعل لطفه فيها لانت وخضعت. فعلى ذلك إذا جعل ذلك اللطف في قلب الكافر لا يحتمل ألا يلين، ولا يخضع، إذ هو ليس أصلب وأشد من الجبال التي ذكرنا، والله أعلم.
وأما الخصوصية له فإن الله عز وجل جعل لكل من الرسل خصوصية في شيء، لم يجعل مثل تلك الخصوصية لآخر في ذلك الشيء بعينه بلطفه.
وخصوصي داوود ما ذكر من تسخير ما ذكر له من الجبال والطير والتسبيح معه وما ذكر من إلانة الحديد له وغير ذلك من الأشياء.
وخصوصية سليمان ما ذكر من تسخير الرياح له وحملها إياه حيث شاء إلى ما شاء مسيرة شهر بغدوة ومسيرة شهر بعشية حيث قال عز وجل :﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] وما ذكر من فهم نطق الطير والنطق معه، وفهمه تسبيحها، ونحو ذلك كثير.
و مثل هذا ما قد جعل لرسول الله صلى الله عليه و سلم حين أنه أخذ أحجارا، فسبحن في يده حتى سمع ذلك من حضره، و ما ذكر أن أصابعه يسبحن، و نحوه كثير.
فلكل منهم خصوصية في شيء، ليست تلك لغيره، والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى