تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ) ذكر أهل التفسير أن سبب ابتلاء داود عليه السلام أنه فتن بامرأة أوريا بن حنان، وسبب ذلك أن داود صلوات الله عليه كان قسم أيامه، فكان يخلو يوما للعبادة، ويخلو يوما لنسائه، ويجلس للقضاء يوما مع بني إسرائيل فيذاكرهم ويذاكرونه، فجلس يوما مع بني إسرائيل يذاكرهم، فذاكروا فتنة النساء، فأضمر داود في نفسه أنه إن ابتلي اعتصم.
وفي بعض التفاسير : أن داود عليه السلام رأى قرينيه من الملائكة، فقال لهما : ما بالكما معي، فقالا : نحفظك ونحرسك، فتفكر في نفسه أنه كان ما يحترز عنه من الأشياء يكون بحفظهما، أو ما يفعل من العبادة فيكون بحفظهما، فهو لا يحمد في ذلك ؛ فأمر الله تعالى الملكين أن يخلياه يوما.
وفي بعض القصص : أن الله تعالى حذره يوما، وقال : هو يوم فتنتك، وفي بعضها : أنه سمع بني إسرائيل يقولون في دعواتهم : يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأحب أن يذكر معهم، فذكر ذلك لله تعالى في مناجاته، فقال : يا داود إني ابتليتهم فصبروا. فقال : لو ابتليتني صبرت، فقال : يا داود إني مبتليك يوم كذا، فلما كان ذلك اليوم دخل في متعبده، وتخلى للعبادة، وهذا الوجه الثالث غريب، والمشهور ما ذكرنا من قبل، قالوا : ولما كان في ذلك اليوم وتخلى للعبادة وجعل يصلي ويقرأ التوراة والزبور ويكب على قراءتهما، فبينما هو خلال ذلك ؛ إذ سقط طير من ذهب قريبا منه، ويقال : إنه إبليس تصور في صورة طير، وكان جناحاه من الدر والزبرجد، فأعجبه حسن الطير، فقصد أن يأخذه فتباعد منه، وجعل هو يتبعه إلى أن أسرف في اتباعه إلى دار من دور جيرانه، فرأى امرأة تغتسل، فأعجبه حسنها وخلقها، وفتن بها، فلما أحست المرأة بمن ينظر إليها ؛ حللت شعرها، فغشاها شعرها ؛ فازداد داود فتنة، ورجع وسأل عن المرأة ؛ فقيل : إنها امرأة أوريا بن حنان، فكان في ذلك الوقت توجه غازيا إلى بعض الثغور، فأحب أن يقتل ويتزوج بامرأته، فذكر بعضهم أن ذنبه كان هذا القدر.
وذكر بعضهم : انه كتب إلى أمير الجيش أن يجعل أوريا قدام التابوت، وكان من جعل قدام التابوت فإما أن يقتل أو يفتح الله على يديه، فلما جعل قدام التابوت قتل، فتزوج داود المرأة بعدما انقضت عدتها.
وروى مسروق عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير عن ابن عباس أنهما قالا : كان ذنب داود انه التمس من الرجل أن ينزل عن امرأته، هذا قول ابن مسعود، وأما لفظ ابن عباس : التمس أن يتحول له عنها.
قال أهل التفسير : وقد كان ذلك مباحا لهم غير أن الله تعالى لم يرض له بذلك، لأنه كان ذلك رغبة في الدنيا، وازدياد من النساء، وقد أغناه الله تعالى عنها بما أعطاه من غيرها.
وذكر بعضهم : أن ذنبه كان هو أنه خطب امرأة، وقد خطبها غيره، فدخل على خطبة غيره، وكان ذلك منهيا في شريعتهم، كما هو منهي في شريعتنا.
قوله تعالى :( إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ) النعجة ها هنا كناية عن المرأة، والعرب تكنى عن المرأة بالنعجة والشاة، قال الشاعر :
فرميت غفلة عينه عن شاتهفأصبت حبّة قلبه وطِحالَها
والمراد من الشاة ها هنا هي المرأة، وقرأ ابن مسعود :" تسعة وتسعون نعجة أنثى " قال بعضهم : ذكر أنثى على طريق التأكيد.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال :«ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر » فقوله :" ذكر " مذكور على وجه التأكيد.
وقيل : يجوز أن يقال : تسعة وتسعون نعجة، وإن كان في خلالها ذكر، فلما قال : تسعة وتسعون نعجة أنثى، عرف قطعا أنه ليس في خلالها ذكر.
وقوله :( ولي نعجة واحدة ) في التفسير : أنه كان لأوريا امرأة واحدة، ولداود تسعة وتسعون امرأة، فهذا هو المعني بالنعاج والنعجة.
وقوله :( فقال أكفلنيها ) أي : ضمها إلي : وقيل : انزل لي عنها، وقيل : اجعلني قيمها وكفيلا بأمرها.
وقوله :( وعزني في الخطاب ) أي : غلبني في الخطاب، وقهرني في الخطاب أي : في القول لقوة ملكه.
وحقيقة المعنى : أن الغلبة كانت له لضعفي في يده، وإن كان الحق معي، وعن مجاهد قال : تحدث بنو إسرائيل عند داود أنه لا يمضي على ابن آدم يوما إلا ويذنب فيه ذنبا، واعتقد داود صلوات الله عليه أنه يحفظ نفسه من الذنب، وعين يوما، فلما كان ذلك اليوم تخلى في متعبده، وجعل يصلي ويسبح، ويقرأ التوراة والزبور، فابتلي بما ابتلي به على ما ذكرنا.
وعن علي رضي الله عنه أنه قال : من زعم أن داود ارتكب محرما من تلك المرأة جلدته مائة وستين جلدة، يعني ضعف ما يجلد الإنسان في غيره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى