زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
فقال داود : تكلما، فقال أحدهما :﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ قال ابن الأنباري : المعنى : قال أحد الخصمين اللذين شبه الملكان بهما : إن هذا أخي، فأضمر القول لوضوح معناه ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ قال الزجاج : كُني عن المرأة بالنعجة، وقال غيره : العرب تشبّه النساء بالنعاج، وتوري عنها بالشاء والبقر. قال ابن قتيبة : ورّي عن ذكر النساء بذكر النعاج، كما قال عنترة :
يا شاة ما قنص لمن حلت لهحرُمت عليّ وليتها لم تحرم
يعرض بجارية، يقول : أي صيد أنت لمن حل له أن يصيدك ! فأما أنا، فإن حرمة الجوار قد حرمتك عليّ. وإنما ذكر الملك هذا العدد لأنه عدد نساء داود.
قوله تعالى :﴿وَلِي نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ فتح الياء حفص عن عاصم، وأسكنها الباقون.
﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ قال ابن قتيبة : أي : ضُمّها إليّ واجعلني كافلها. وقال الزجاج : انزل أنت عنها واجعلني أنا أكفلها.
قوله تعالى :﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي : غلبني في القول. وقرأ عمر بن الخطاب، وأبو رزين العقيلي، والضحاك، وابن يعمر، وابن أبي عبلة :﴿وعازّني﴾ بألف، أي : غالبني. قال ابن مسعود، وابن عباس في قوله ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ : ما زاد على أن قال : انزل لي عنها. وروى العوفي عن ابن عباس قال : إن دعوت ودعا كان أكثر، وإن بطشت وبطش كان أشد مني.
فإن قيل : كيف قال الملكان هذا ؛ وليس شيء منه موجودا عندهما ؟
فالجواب : أن العلماء قالوا : إنما هذا على سبيل المثل والتشبيه بقصة داود، وتقدير كلامهما : ما تقول إن جاءك خصمان فقالا كذا وكذا ؟ وكان داود لا يرى أن عليه تبعة فيما فعل، فنبّهه الله بالملكين. وقال ابن قتيبة : هذا مثل ضربه الله له ونبهه على خطيئته، وقد ذكرنا آنفا أن المعنى : نحن كخصمين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى