فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
والظرف في قوله :﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ متعلق بمحذوف وهو اذكر، أي اذكر ما صدر عنه وقت عرض الصافنات الجياد عليه ﴿بالعشي﴾ وقيل : هو متعلق بنعم، وهو مع كونه غير متصرف لا وجه لتقييده بذلك الوقت، وقيل : متعلق بأواب، ولا وجه لتقييد كونه أواباً بذلك الوقت، والعشي : من الظهر أو العصر إلى آخر النهار، و﴿الصافنات﴾ جمع صافن.
وقد اختلف أهل اللغة في معناه، فقال القتيبي، والفراء : الصافن في كلام العرب : الواقف من الخيل أو غيرها، وبه قال قتادة، ومنه الحديث :«من أحب أن يتمثل له الناس صفونا، فليتبوأ مقعده من النار »، أي : يديمون القيام له، واستدلوا بقول النابغة :
لنا قبة مضروبة بفنائهاعتاق المهارى والجياد الصوافن
ولا حجة لهم في هذا فإنه استدلال بمحل النزاع، وهو مصادرة ؛ لأن النزاع في الصافن ماذا هو ؟ وقال الزجاج : هو الذي يقف على إحدى اليدين، ويرفع الأخرى، ويجعل على الأرض طرف الحافر منها حتى كأنه يقوم على ثلاث، وهي : الرجلان، وإحدى اليدين، وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه، وهي علامة الفراهة. وأنشد الزجاج قول الشاعر :
ألف الصفون فما يزال كأنهمما يقوم على الثلاث كسيرا
ومن هذا قول عمرو بن كلثوم :
تركنا الخيل عاكفة عليهمقلدّة أعنتها صفونا
فإن قوله : صفونا لابدّ أن يحمل على معنى غير مجرّد القيام، لأن مجرّد القيام قد استفيد من قوله : عاكفة عليه. وقال أبو عبيد : الصافن هو : الذي يجمع يديه، ويسويهما، وأما الذي يقف على سنبكه، فاسمه : المتخيم، والجياد جمع جواد، يقال : للفرس إذا كان شديدا العدو. وقيل : إنها الطوال الأعناق، مأخوذ من الجيد، وهو : العنق، قيل : كانت مائة فرس، وقيل : كانت عشرين ألفاً، وقيل : كانت عشرين فرساً، وقيل : إنها خرجت له من البحر، وكانت لها أجنحة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن عساكر عن ابن عباس في قوله :﴿أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين في الأرض﴾ قال : الذين آمنوا : عليّ، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، والمفسدين في الأرض : عتبة، وشيبة، والوليد. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال :﴿الصافنات الجياد﴾. خيل خلقت على ما شاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿الصافنات﴾ قال : صفون الفرس : رفع إحدى يديه حتى يكون على أطراف الحافر، وفي قوله :﴿الجياد﴾ السراع. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله :﴿حُبَّ الخير﴾ قال : الماء، وفي قوله :﴿ردّوها عليّ﴾ قال : الخيل ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ قال : عقراً بالسيف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب قال : الصلاة التي فرّط فيها سليمان صلاة العصر. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي في قوله :﴿إذ عرض عليه بالعشيّ الصافنات الجياد﴾ قال : كانت عشرين ألف فرس ذات أجنحة، فعقرها. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير عن ابن مسعود بقوله :﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ قال : توارت من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس قال : كان سليمان لا يكلم إعظاماً له، فلقد فاتته صلاة العصر، وما استطاع أحد أن يكلمه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿عَن ذِكْرِ رَبِى﴾ يقول : من ذكر ربي ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق﴾ قال : قطع سوقها، وأعناقها بالسيف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى