الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣١:واختلفَ المتأولونَ في قَصَصِ هذهِ الخيل المَعْرُوضَةِ عَلى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السلامُ فقال الجُمْهُورُ : إنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السلام عُرِضَتْ عليه آلافٌ مِنَ الخَيْلِ تَرَكَهَا أَبُوهُ، فأُجْرِيَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عِشَاءً، فَتَشَاغَلَ بجريها وَمَحَبَّتِهَا، حتى فَاتَهُ وَقْتُ صَلاَةِ العَشِيِّ، فَأَسِفَ لِذَلِكَ ؛ وَقَالَ : رُدُّوا عَلَيَّ الخَيْلَ ؛ فَطَفِقَ يَمْسَحُ سُوقَها وأعْنَاقَها بالسَّيْفِ، قَالَ الثَّعْلَبيُّ وغيره، وجَعَل يَنْحَرُهَا تَقَرُّباً إلى اللَّهِ تعالى ؛ حيثُ اشْتَغَل بِهَا عَنْ طَاعَتِهِ، وكان ذلكَ مُبَاحاً لَهُمْ كما أُبِيحَ لَنا بهيمةُ الأنْعَامِ، قال ( ع ) : فَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تعالى أَبْدَلَهُ مِنْهَا أَسْرَعَ منها، وهي الرِّيحُ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه » : و﴿الخير﴾ هنا هي الخيل ؛ وكذلكَ قَرأَها ابنُ مَسْعُود :«إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْلِ » انتهى. والصَّافِنُ : الذي يَرْفَعُ إحدى يديه ؛ وقَدْ يَفْعَلُ ذلكَ برِجْلِهِ ؛ وهي علامةُ الفَرَاهِيَة ؛ وأَنْشَدَ الزَّجَّاجُ :
أَلِفَ الصُّفُونَ فَمَا يَزَالُ كَأَنَّهمِمَّا يَقُومُ عَلَى الثَّلاَثِ كَسِيرَا
قالَ بَعْضُ العلَماء :﴿الخير﴾ هنَا أرادَ به الخَيْلَ، والعَرَبُ تُسَمي الخَيْلَ، الخَيْرَ، وفي مِصْحَفِ ابْن مَسْعُودٍ :( حُبَّ الخَيْلِ ) باللامِ، والضميرُ في ﴿تَوَارَتْ﴾ للشمسِ، وإن كَانَ لَمْ يَتَقَدَّم لَهَا ذِكْرٌ : لأنَّ المعنى يَقْتَضِيهَا، وأيضاً فَذِكْرُ العَشِيِّ يَتَضَمَّنُهَا، وقالَ بعضُ المفسرينَ حتى ﴿تَوَارَتْ بالحجاب﴾، أَي : الخيلُ دَخَلَتْ إصْطَبْلاَتِهَا، وقال ابنُ عبَّاسٍ والزُّهْرِيُّ : مَسْحُهُ ﴿بالسُّوقِ والأَعْنَاقِ﴾ لَمْ يَكُنْ بالسَّيْفِ ؛ بل بيدهِ تَكْرِيماً لَها ؛ ورَجَّحَهُ الطبريُّ، وفي البخاري :﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ يمسحُ أعْرَافَ الخَيلِ وعَرَاقِيبَهَا ؛ انتهى. وعن بعضِ العلماءِ أَنَّ هذهِ القصةَ لَمْ يَكُنْ فيها فَوْتُ صلاةٍ، وقالوا : عُرِضَ على سليمانَ الخيلُ وهو في الصلاةِ، فأشَارَ إليهم ؛ أي : إني في صلاةٍ، فأزَالُوهَا عَنْهُ حتى أَدْخَلُوها في الإصْطَبْلاَتِ، فقالَ هو، لَمَّا فَرَغَ من صلاته :﴿إني أَحْبَبْتُ حُبَّ الخيرِ﴾، أي : الذي عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرةِ ؛ بسببِ ذِكْرِ ربي، كَأَنه يقول : فَشَغَلَنِي ذلكَ عَنْ رُؤْيَةِ الخيلِ، حتى أُدْخِلَتْ إصْطَبْلاَتِهَا، رُدُّوهَا عَليّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْرَافَهَا وسُوقَهَا، تَكْرمةً لها، أي : لأَنَّها معدَّةٌ للجهَادِ، وهذا هو الراجحُ عند الفخر، قال : ولو كانَ معنى مَسْحِ السُّوقِ والأعناقِ قَطْعَهَا لَكَانَ معنى قوله :﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قطعَهَا.
( ت ) : وهَذَا لا يلزمُ للقرينَةِ في الموضعين، ا. ه. قال أبو حَيَّان : و﴿حُبَّ الخير﴾ قال الفراء : مفعولٌ بهِ، ﴿أَحْبَبْتُ﴾ مُضَمَّنٌ معنى آثَرْتُ، وقيلَ : منصوبٌ على المصدرِ التَّشْبِيهِي، أي : حبًّا مِثْلَ حُبِّ الخير، انتهى.
وقوله :﴿عَن ذِكْرِ رَبِّى﴾ ﴿عن﴾ على كُلِّ تَأويلٍ هنا للمُجَاوَزَةِ من شيءٍ إلى شَيْءٍ، وَتَدَبَّرْهُ فإنه مُطَّرِدٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى