فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
﴿فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِى﴾ انتصاب ﴿حب الخير﴾ على أنه مفعول أحببت بعد تضمينه معنى : آثرت. قال الفراء : يقول : آثرت حب الخير، وكل من أحب شيئاً فقد آثره. وقيل : انتصابه على المصدرية بحذف الزوائد، والناصب له أحببت، وقيل : هو مصدر تشبيهي، أي : حباً مثل حب الخير، والأول أولى. والمراد بالخير هنا الخيل. قال الزجاج : الخير هنا الخيل. وقال الفراء : الخير، والخيل في كلام العرب واحد. قال النحاس : وفي الحديث :«الخيل معقود بنواصيها الخير »، فكأنها سميت خيراً لهذا. وقيل : إنها سميت خيراً لما فيها من المنافع. " وعن " في ﴿عَن ذِكْرِ رَبِى﴾ بمعنى : على. والمعنى : آثرت حبّ الخيل على ذكر ربي، يعني : صلاة العصر ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ يعني : الشمس، ولم يتقدّم لها ذكر، ولكن المقام يدلّ على ذلك. قال الزجاج : إنما يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشيء، أو دليل الذكر، وقد جرى هنا الدليل، وهو قوله : بالعشيّ. والتواري : الاستتار عن الأبصار، والحجاب : ما يحجبها عن الأبصار. قال قتاد وكعب : الحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق، وهو جبل قاف، وسمي الليل حجاباً ؛ لأنه يستر ما فيه، وقيل : الضمير في قوله :﴿حتى تَوَارَتْ﴾ للخيل، أي : حتى توارت في المسابقة عن الأعين، والأوّل أولى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن عساكر عن ابن عباس في قوله :﴿أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين في الأرض﴾ قال : الذين آمنوا : عليّ، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، والمفسدين في الأرض : عتبة، وشيبة، والوليد. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال :﴿الصافنات الجياد﴾. خيل خلقت على ما شاء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿الصافنات﴾ قال : صفون الفرس : رفع إحدى يديه حتى يكون على أطراف الحافر، وفي قوله :﴿الجياد﴾ السراع. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله :﴿حُبَّ الخير﴾ قال : الماء، وفي قوله :﴿ردّوها عليّ﴾ قال : الخيل ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ قال : عقراً بالسيف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب قال : الصلاة التي فرّط فيها سليمان صلاة العصر. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي في قوله :﴿إذ عرض عليه بالعشيّ الصافنات الجياد﴾ قال : كانت عشرين ألف فرس ذات أجنحة، فعقرها. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير عن ابن مسعود بقوله :﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ قال : توارت من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس قال : كان سليمان لا يكلم إعظاماً له، فلقد فاتته صلاة العصر، وما استطاع أحد أن يكلمه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿عَن ذِكْرِ رَبِى﴾ يقول : من ذكر ربي ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوق والأعناق﴾ قال : قطع سوقها، وأعناقها بالسيف.