الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
فإن قلت : ما معنى :﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِى﴾ ؟ قلت : أحببت : مضمن معنى فعل يتعدى بعن، كأنه قيل : أنبت حب الخير عن ذكر ربي. أو جعلت حب الخير مجزياً أو مغنياً عن ذكر ربي. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان : أن «أحببت » بمعنى : لزمت من قوله :
مِثْلُ بَعِيرِ السُّوءِ إذْ أَحَبَّا. . . وليس بذاك. والخير : المال، كقوله :﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وقوله :﴿وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] والمال : الخيل التي شغلته. أو سمي الخيل خيراً كأنها نفس الخير لتعلق الخير بها. قال رسول الله ﷺ :" الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة " وقال في زيد الخيل حين وفد عليه وأسلم :" ما وُصف لي رجل فرأيته إلا كان دون ما بلغني إلا زيد الخيل " وسماه زيد الخير. وسأل رجل بلالاً رضي الله عنه عن قوم يستبقون : من السابق ؟ فقال : رسول الله ﷺ. فقال له الرجل : أردت الخيل. فقال : وأنا أردت الخير. والتواري بالحجاب : مجاز في غروب الشمس عن تواري الملك. أو المخبأة بحجابهما. والذي دلّ على أن الضمير للشمس مرور ذكر العشي، ولا بد للمضمر من جري ذكر أو دليل ذكر.
وقيل : الضمير للصافنات، أي : حتى توارت بحجاب الليل يعني الظلام. ومن بدع التفاسير : أن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ فجعل يمسح مسحاً، أي : يمسح بالسيف بسوقها وأعناقها، يعني : يقطعها. يقال : مسح علاوته، إذا ضرب عنقه، ومسح المسفر الكتاب إذا قطع أطرافه بسيفه. وعن الحسن : كسف عراقيبها وضرب أعناقها، أراد بالكسف : القطع، ومنه : الكسف في ألقاب الزحاف في العروض. ومن قاله بالشين المعجمة فمصحف. وقيل : مسحها بيده استحساناً لها وإعجاباً بها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى