زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
فأما سبب نزول أولها، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله ﷺ إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي، ما تريد من قومك ؟ فقال :( يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم )، قال : كلمة ؟ قال :( كلمة واحدة )، قال : ما هي ؟ قال :( لا إله إلا الله )، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ ! فنزلت فيهم :﴿ص وَالْقُرْءانِ﴾ إلى قوله :﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ﴾.
ثم خوفهم بقوله تعالى :﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ﴾ يعنى الأمم الخالية ﴿فَنَادَوْاْ﴾ عند وقوع الهلاك بهم. وفي هذا النداء قولان : أحدهما : أنه الدعاء. والثاني : الاستغاثة.
قوله تعالى :﴿وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ وقرأ الضحاك، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري، وابن يعمر :﴿وَّلاَتَ حِينَ﴾ بفتح التاء ورفع النون. قال ابن عباس : ليس حين يروه فرار. وقال عطاء : في لغة أهل اليمن ﴿لاتٍ﴾ بمعنى " ليس ". وقال وهب بن منبه : هي بالسريانية. وقال الفراء :" لات " بمعنى " ليس "، والمعنى : ليس بحين فرار. ومن القراء من يخفض " لات ". والوجه النصب، لأنها في معنى " ليس "، أنشدني المفضل :
تذكر حب ليلى لات حيناوأضحى الشيب قد قطع القرينا
قال ابن الأنباري : كان الفراء والكسائي والخليل وسيبويه والأخفش وأبو عبيدة يذهبون إلى أن التاء في قوله تعالى :﴿وَّلاَتَ﴾ منقطعة من ﴿حِينٍ﴾ قال : وقال أبو عبيدة : الوقف عندي على هذا الحرف ﴿وَلاَ﴾، والابتداء ﴿تحين﴾ لثلاث حجج :
إحداهن : أن تفسير ابن عباس يشهد لها، لأنه قال : ليس حين يروه فرار ؛ فقد علم أن " لَيْسَ " هي أخت " لا " وفي معناها.
والحجة الثانية : أنا لا نجد في شيء من كلام العرب ﴿وَّلاَتَ﴾، إنما المعروفة ﴿لا﴾.
والحجة الثالثة : أن هذه التاء، إنما وجدناها تلحق مع ﴿حِينٍ﴾ ومع ﴿الآن﴾ ومع ال ﴿أوان﴾، فيقولون : كان هذا تحين كان ذلك، وكذلك :" تأوان "، ويقال : اذهب تلان، ومنه قول أبي وجزة السعدي :
العاطفون تحين ما من عاطفوالمطمعون زمان ما من مطعم
وذكر ابن قتيبة عن ابن الأعرابي أن معنى هذا البيت :" العاطفونه " بالهاء، ثم تبتدئ :" حين ما من عاطف " ؛ قال ابن الأنباري : وهذا غلط، لأن الهاء إنما تُقحَم على النون في مواضع القطع والسكون، فأما مع الاتصال، فإنه غير موجود. وقال علي بن أحمد النيسابوري : النحويون يقولون في قوله :﴿وَّلاَتَ﴾ : هي ﴿لا﴾ زيدت فيها التاء، كما قالوا : ثم وثُمّتْ، ورُبّ ورُبَّتْ، وأصلها هاء وُصلت ب ﴿لا﴾، فقالوا :" لاه " فلما وصلوها، جعلوها تاء ؛ والوقف عليها بالتاء عند الزجاج، وأبي علي، وعند الكسائي بالهاء، وعند أبي عبيد الوقف على " لا ".
فأما المناص، فهو الفرار. قال الفراء : النّوْص في كلام العرب : التأخر ؛ والبوص : التقدم، قال امرؤ القيس :
أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوصفتقصر عنها خطوة وتبوص
وقال أبو عبيدة : المناص : مصدر ناص ينوص، وهو المنجى والفوز.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى