فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
ثم خوّفهم سبحانه، وهدّدهم بما فعله بمن قبلهم من الكفار، فقال :﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ﴾ يعني الأمم الخالية المهلكة بتكذيب الرسل، أي كم أهلكنا من الأمم الخالية الذين كانوا أمنع من هؤلاء، وأشدّ قوة، وأكثر أموالاً، وكم هي : الخبرية الدالة على التكثير، وهي في محل نصب بأهلكنا على أنها مفعول به، و [ من قرن ] تمييز، و﴿من﴾ في ﴿مِن قَبْلِهِمُ﴾ هي لابتداء الغاية. ﴿فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ النداء هنا : هو نداء الاستغاثة منهم عند نزول العذاب بهم، وليس الحين حين مناص. قال الحسن : نادوا بالتوبة، وليس حين التوبة، ولا حين ينفع العمل. والمناص مصدر ناص ينوص، وهو الفوت والتأخر. ولات بمعنى : ليس، بلغة أهل اليمن. وقال النحويون : هي لا التي بمعنى ليس زيدت عليها التاء كما في قولهم : ربّ، وربت، وثمّ وثمت قال الفراء : النوص : التأخر، وأنشد قول امرئ القيس :
* أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص *
قال : يقال ناص عن قرنه ينوص نوصاً أي : فرّ، وزاغ. قال الفراء : ويقال : ناص ينوص : إذا تقدّم. وقيل المعنى : أنه قال بعضهم لبعض : مناص، أي : عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا : مناص، فقال الله :﴿وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال سيبويه : لات مشبهة بليس، والاسم فيها مضمر، أي : ليس حيننا حين مناص. قال الزجاج : التقدير وليس أواننا. قال ابن كيسان : والقول كما قال سيبويه، والوقف عليها عند الكسائي بالهاء، وبه قال المبرد، والأخفش. قال الكسائي، والفرّاء، والخليل، وسيبويه، والأخفش : والتاء تكتب منقطعة عن حين، وكذلك هي في المصاحف. وقال أبو عبيد : تكتب متصلة بحين، فيقال :( ولا تحين )، ومنه قول أبيّ، وجرة السعدي :
وقد يستغنى بحين عن المضاف إليه كما قال الشاعر :
قال أبو عبيد : لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان، والآن. قلت : بل قد يزيدونها في غير ذلك كما في قول الشاعر :
وقد أنشد الفراء هذا البيت مستدلاً به على أن من العرب من يخفض بها، وجملة :﴿وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ في محل نصب على الحال من ضمير نادوا. قرأ الجمهور :﴿لات﴾ بفتح التاء، وقرئ :" لات " بالكسر كجير.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وأخرج ابن جرير عنه ﴿والقرءان ذِي الذكر﴾ قال : ذي الشرف. وأخرج أبو داود الطيالسي، وعبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن التميمي قال : سألت ابن عباس عن قول الله تعالى :﴿فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال : ليس بحين نزو ولا فرار. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عنه في الآية قال : نادوا النداء حين لا ينفعهم، وأنشد :
وأخرج عنه أيضاً في الآية قال : ليس هذا حين زوال. وأخرج ابن المنذر من طريق عطية عنه أيضاً قال : لا حين فرار. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ الآية قال : نزلت حين انطلق أشراف قريش إلى أبي طالب، فكلموه في النبي ﷺ. وأخرج ابن مردويه عنه ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ قال : أبو جهل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿مَّا سَمِعْنَا بهذا في الملة الآخرة﴾ قال : النصرانية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله ﴿فَلْيَرْتَقُواْ في الأسباب﴾ قال : في السماء.
* أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص *
قال : يقال ناص عن قرنه ينوص نوصاً أي : فرّ، وزاغ. قال الفراء : ويقال : ناص ينوص : إذا تقدّم. وقيل المعنى : أنه قال بعضهم لبعض : مناص، أي : عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا : مناص، فقال الله :﴿وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال سيبويه : لات مشبهة بليس، والاسم فيها مضمر، أي : ليس حيننا حين مناص. قال الزجاج : التقدير وليس أواننا. قال ابن كيسان : والقول كما قال سيبويه، والوقف عليها عند الكسائي بالهاء، وبه قال المبرد، والأخفش. قال الكسائي، والفرّاء، والخليل، وسيبويه، والأخفش : والتاء تكتب منقطعة عن حين، وكذلك هي في المصاحف. وقال أبو عبيد : تكتب متصلة بحين، فيقال :( ولا تحين )، ومنه قول أبيّ، وجرة السعدي :
| العاطفون تحين ما من عاطف | والمطعمون زمان ما من مطعم |
| تذكر حبّ ليلى لات حينا | وأمسى الشيب قد قطع القرينا |
| فلتعرفن خلائقا مشمولة | ولتندمنّ ولات ساعة مندم |
| تذكرت ليلى لات حين تذكر | وقد بنت منها والمناص بعيد |