مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم إنه تعالى لما وصفهم بالعزة والشقاق خوفهم فقال :﴿كم أهلكنا قبلهم من قرن فنادوا﴾ والمعنى أنهم نادوا عند نزول العذاب في الدنيا ولم يذكر بأي شيء نادوا، وفيه وجوه الأول : وهو الأظهر أنهم نادوا بالاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب ليس إلا بالاستغاثة الثاني : نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب الثالث : نادوا أي رفعوا أصواتهم، يقال فلان أندى صوتا من فلان أي ارفع صوتا، ثم قال :﴿ولات حين مناص﴾ يعني ولم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب وهو كقوله :﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا﴾ وقال :﴿حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون﴾ والجؤار رفع الصوت بالتضرع والاستغاثة وكقوله :﴿الآن وقد عصيت قبل﴾ وقوله :﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ بقي ههنا أبحاث :
البحث الأول : في تحقيق الكلام في لفظ ﴿لات﴾ زعم الخليل وسيبويه أن لات هي لا المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رب وثم للتأكيد، وبسب هذه الزيادة حدثت لها أحكام جديدة، منها أنها لا تدخل إلا على الأحيان، ومنها أن لا يبرز إلا أحد جزءيها، إما الاسم وإما الخبر ويمتنع بروزهما جميعا، وقال الأخفش إنها لا النافية للجنس زيدت عليها التاء، وخصت بنفي الأحيان ﴿وحين مناص﴾ منصوب بها كأنك قلت ولات حين مناص لهم ويرتفع بالابتداء أي ولات حين مناص كائن لهم.
البحث الثاني : الجمهور يقفون على التاء من قوله :﴿ولات﴾ والكسائي يقف عليها بالهاء كما يفق على الأسماء المؤنثة، قال صاحب «الكشاف » : وأما قول أبي عبيدة التاء داخلة على الحين فلا وجه له، واستشهاده بأن التاء ملتزقة بحين في مصحف عثمان فضعيف فكم وقعت في المصحف أشياء خارجة عن قياس الخط.
البحث الثالث : المناص المنجا والغوث، يقال ناصه ينوصه إذا أغاثه، واستناص طلب المناص، والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى