فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
ثم خوفهم سبحانه وهددهم بما فعله من قبلهم من الكفار فقال :
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ : يعني الأمم الخالية المهلكة بتكذيب الرسل، أي كم أهلكنا الذين كانوا أمنع من هؤلاء، وأشد قوة، وأكثر أموالا و ﴿كم﴾ هي الخبرية الدالة على التكثير، وهي في محل نصب بأهلكنا على أنها مفعول به، ومن قرن تمييز، و " من " في " من قبلهم " هي لابتداء الغاية.
﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ النداء هنا هو نداء الاستغاثة منهم عند نزول العذاب بهم، وليس الحين حين مناص، قال الحسن نادوا بالتوبة، وليس حين التوبة، ولا حين ينفع العمل، والمناص مصدر ناص ينوص، وهو الفوت والتأخر، ولات بمعنى ليس، بلغة أهل اليمن، وقال النحاة هي لا التي بمعنى ليس زيدت عليها التاء كما في قولهم رب وربت وثم وثمت قال الفراء النوص التأخر، وأنشد قول امرئ القيس :
أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوصفتقصر عنها خطوة وتبوص
قد يقال ناص عن قرنه ينوص نوصا ومناصا أي فر وراغ قال الفراء ويقال ناص ينوص إذا تقدم، وقيل المعنى أنه قال بعضهم لبعض مناص أي عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص فقال الله ولات حين مناص قال سيبويه والخليل لات مشبهة بليس، والاسم فيها مضمر، أي ليس حيننا حين مناص، وقال الزجاج التقدير وليس أواننا، قال ابن كيسان والقول قول سيبويه، والوقف عليها عند الكسائي بالهاء، وبه قال المبرد والأخفش. وقال الأخفش إنها لا النافية للجنس زيدت عليها التاء، وخصت بنفي الأحيان وقال الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش التاء تكتب منقطعة عن حين، وكذلك هي في المصاحف، وقال أبو عبيدة : تكتب متصلة بحين فقال : ولا تحين، وقد يستغني بحين عن المضاف إليه، قال أبو عبيدة : لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان، الآن.
قلت قد يزيدونها في غير ذلك أيضا، وقال ابن عباس ليس بحين نزو ولا فرار، وأخرج ابن أبيّ من طريق عكرمة عنه قال : نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد.
تذكرت ليلى حين لات تذكروقد بنت منها والمناص بعيد
وعنه قال : ليس هذا حين زوال، وعنه قال : لا حين فرار وقرأ الجمهور لات بفتح التاء وقرئ بكسرها كجير وجملة لات حين مناص في محل نصب على الحال من ضمير نادوا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى