التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
عقبت السورة الكريمة على ذلك، بعقد مقارنة بين عاقبة المؤمنين الصادقين، وعاقبة الكافرين الجاحدين، وذكرت جانبا مما يدور بين أهل النار من مجادلات.. فقال - تعالى - :﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ...﴾.
قال الآلوسى : " هذا " إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم " ذكر " أى شرف لهم... والمراد أن فى ذكر قصصهم.. شرف عظيم لهم. أو المعنى : هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر الذى هو القرآن، وذكر ذلك الانتقال من نوع من الكلام إلى آخر، كما يقال الجاحظ فى كتبه : فهذا باب، ثم يشرع فى باب آخر.
ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع فى آخر : هذا، وكان كيت وكيت، ويحذف على ما قيل الخبر فى مثل ذلك كثيرا، وعليه ﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ..﴾
وقوله - تعالى - :﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ بيان لما أعده لهم - سبحانه - فى الآخرة من عطاء جزيل، وثواب عظيم.
والمآب : اسم مكان من آب فلان يؤوب إذا رجع، والمراد بالمتقين : كل من تحققت فيه صفة التقوى والخوف من الله - تعالى - وعلى رأسهم الأنبياء الذين اصطفاهم الله - تعالى - واختارهم لتبليغ رسالته. أى : وإن للمتقين فى الآخرة كريم يرجعون إليه فى الآخرة. فيجدون فيه مالا عين رأت. ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر.
واسم الإِشارة فى قوله - تعالى - :﴿هذا ذِكْرٌ﴾ يعود إلى ما ذكره - سبحانه - فى الآيات السابقة، عن هؤلاء الأنبياء من ثناء وتكريم. والذكر : الشرف والفضل. أى : هذا الذى ذكرناه عن هؤلاء الأنبياء شرف لهم، وذكر جميل يذكرون به إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى