التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
حكى القرآن ما سأله هؤلاء المشركون لأنفسهم عندما تلفتوا فى النار، فلم يجدوا أحداً من المؤمنين الذين كانوا يصفونهم بأنهم من الأشرار فقال :﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار﴾.
أى : إنهم بعد أن دخلوا النار أخذوا يدورون بأعينهم فيها فلم يروا المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم فى الدنيا، فقالوا فيما بينهم : ما بالنا لا نرى الرجال الذين كنا نسخر منهم فى الدنيا، ألم يدخلوا معنا النار ؟ أم دخلوها ولكن أبصارنا لا تراهم وزاغت عنهم ؟
فهم يتحسرون على أحوالهم البائسة بعد أن وجدوا أنفسهم فى النار، وليس معهم من كانوا يسخرون منهم فى الدنيا وهم فقراء المؤمنين.
قال صاحب الكشاف : قوله :﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾ قرئ بلفظ الإِخبار على أنه صفة للقوله ﴿رجالا﴾ مثل قوله ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأشرار﴾ وقرئ بهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها فى الاستسخار منهم.
وقوله :﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار﴾ له وجهان من الاتصال : أحدهما : أن يتصل بقوله :﴿مالنا﴾ أى : مالنا لا نراهم فى النار ؟ كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ؟ قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن يكونوا من أهل النار إلا أنهم خفى عليهم مكانهم.
الوجه الثانى : أن يتصل بقوله :﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً..﴾ على معنى أى الفعلين فعلنا بهم : الاستسخار منهم، أم الازدراء بهم والتحقير، وأن أبصارنا كانت تعلو عنهم وتقتحمهم، على معنى إنكار الأمرين جميعاً على أنفسهم...

تفسير هذه الآية من كتب أخرى