جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿يَوْمَئِذٍ يَتّبِعُونَ الدّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرّحْمََنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً﴾.
يقول تعالى ذكره : يومئذٍ يتبع الناس صوت داعي الله الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، فيحشرهم إليه لا عِوَجَ لَهُ يقول : لا عوج لهم عنه ولا انحراف، ولكنهم سراعا إليه ينحشرون. وقيل : لا عوج له، والمعنى : لا عوج لهم عنه، لأن معنى الكلام ما ذكرنا من أنه لا يعوجون له ولا عنه. ولكنهم يؤمونه ويأتونه، كما يقال في الكلام : دعاني فلان دعوة لا عوج لي عنها : أي لا أعوج عنها. وقوله " وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ للرّحْمَنِ " يقول تعالى ذكره : وسكنت أصوات الخلائق للرحمن فوصف الأصوات بالخشوع. والمعنى لأهلها إنهم خُضّع جميعهم لربهم، فلا تسمع لناطق منهم منطقا إلاّ من أذن له الرحمن، كما :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : " وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ للرّحْمَنِ " يقول : سكنت.
وقوله : " فَلا تَسْمَعُ إلاّ هَمْسا " يقول : إنه وطء الأقدام إلى المحشر. وأصله : الصوت الخفيّ، يقال همس فلان إلى فلان بحديثه إذا أسرّه إليه وأخفاه ومنه قول الراجز :
| وَهُنّ يَمْشِينَ بنا هَمِيسَا | إنْ يَصْدُقِ الطّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عليّ بن عابس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس " فَلا تَسْمَعُ إلاّ هَمْسا " قال : وطء الأقدام.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ للرّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلاّ هَمْسا " يعني : همس الأقدام، وهو الوطء.
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس " فَلا تَسْمَعُ إلاّ هَمْسا " يقول : الصوت الخفيّ.
حدثنا إسماعيل بن موسى السديّ، قال : أخبرنا شريك، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عكرمة " فَلا تَسْمَعُ إلاّ هَمْسا " قال : وطء الأقدام.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن " فَلا تَسْمَعُ إلاّ هَمْسا " قال : همس الأقدام.
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قادة فَلا تَسْمَعُ إلاّ هَمْسا قال قتادة : كان الحسن يقول : وقع أقدام القوم.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : " فَلا تَسْمَعُ إلاّ هَمْسا " قال : تهافتا، وقال : تخافت الكلام.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : هَمْسا قال : خفض الصوت.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال : خفض الصوت، قال : وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال : كلام الإنسان لا تسمع تحرّك شفتيه ولسانه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، قوله : " فَلا تَسْمَعُ إلاّ هَمْسا " يقول : لا تسمع إلاّ مشيا، قال : المشي الهمس : وطء الأقدام.