الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله تعالى ذكره :﴿فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك﴾[ ١٠ ] إلى قوله :﴿بما تسعى﴾[ ١٤ ].
أي : فلما(١) أتى النار موسى، ناداه ربه : يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك.
قال وهب : خرج موسى نحو النار، فإذا في شجرة من العليق(٢). ( وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة ) فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخر عنه، رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت، استأنس فقال له الله ﴿فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾ فخلعهما وألقاهما(٣).
قال كعب :( كانتا(٤) من جلد حمار ميت، فأمر بخلهما، وأراد الله أن يمسه القدس، وكذلك قال عكرمة(٥) وقتادة(٦).
وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال : كانت على موسى يوم كلمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي(٧).
وقال الحسن : كانت من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه(٨) بركة الأرض. وكان قد قدس الوادي مرتين(٩). وكذلك قال ابن جريج(١٠). وهذا القول اختيار الطبري(١١)، لأن الحديث لم يصح عن النبي ﷺ أنهما من جلد حمار غير ذكي.
وقوله :﴿إنك بالواد المقدس﴾[ ١١ ].
أي : المطهر.
وقال ابن عباس :( المقدس ) : المبارك(١٢).
وقال مجاهد :﴿المقدس طوى﴾ : بورك فيه مرتين(١٣).
ويروى(١٤) أن موسى ﷺ لما خرج من مدين(١٥) ومعه امرأته بنت شعيب يريد مصر أخطأ الطريق، وكان ﷺ رجلا غيورا، فكان يصحب الناس بالليل، ولا يصحبهم بالنهار(١٦)، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله من أمره. فرأى نارا. فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت(١٧) نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. أي : من يهديني إلى الطريق، وكانت ليلة مظلمة، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجبا من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك(١٨) الشجرة. فلا شدة النار تغير خضرة تلك(١٩) الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة يغير حسن ضوء النار. فلما أتى الشجرة سمع النداء، يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت.
وقال ابن عباس/ : في معنى ( طوى ) أن موسى طواه الليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي(٢٠).
فيكون على هذا مصدرا عمل فيه ما هو من غير لفظه. كأنه قال : إنك يا موسى بالواد(٢١) الذي طويته طوى : أي : تجاوزته فطويته بسيرك.
وقال قتادة : معناه : قدس مرتين، أي طهره وهو قول الحسن(٢٢).
وقال مجاهد وابن أبي نجيج :( طوى ) اسم الوادي(٢٣). وروي ذلك أيضا عن ابن عباس. وقاله ابن زيد(٢٤).
وعن ابن عباس : أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه(٢٥). فالمعنى : اخلع نعليك. طأ الوادي.
وقال ابن جبير : معناه : طأ الأرض حافيا كما تدخل الكعبة حافيا. وكذلك روي أيضا عن مجاهد(٢٦).
ومن فتح الهمزة في ( إني أنا ) فعلى تقدير :( نودي بأني ) ومن كسرها فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على(٢٧) موسى فاستؤنفت ( إن بعده فكسرت(٢٨).
وقيل : كسرت لأنها حكاية بعدها.
معناه : القول، لأن نؤدي مثل قيل.
ومن صرف ( طوى ) جعله اسما للوادي مذكرا، فصرفه، وجعله مصدرا.
والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول(٢٩) مثل ثنى. ومن لم يصرفه جعله اسما للبقعة.
وقيل(٣٠) : هو معدول عن طاوي. كعمر(٣١)، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه إلى أنه صرف لخفته. وكان حقه ألا ينصرف. ولكن سمع صرفه من العرب. وعلة قلة حروفه وخفته.
١ أي: فلما سقطت من ز..
٢ العليق: نبات يتعلق بالشجر ويلتوي عليه. انظر: اللسان (علق)..
٣ انظر: جامع البيان ١٦/١٤٣ وتفسير القرطبي ١١/١٧٢ والدر المنثور ٤/٢٩٠..
٤ ع كانت والمثبت في النص من ز..
٥ ز بعد عكرمة زيادة وكذلك روي عن ابن عباس..
٦ انظر: جامع البيان ١٦/١٤٤ والدر المنثور ٤/٢٩٢..
٧ قال الطبري عن هذا الحديث: (لو كان صحيحا لم نعده إلى غيره، ولكن في إسناده نظر: يجب التثبت فيه) انظر: جامع البيان ١٦/١٤٤..
٨ ز: بقدمه..
٩ انظر: جامع البيان ١٦/١٤٤ وزاد المسير ٥/٢٧٣ والقرطبي ١١/١٧٣..
١٠ انظر: جامع البيان ١٦/١٤٤..
١١ انظر: المصدر السابق..
١٢ انظر: جامع البيان ١٦/١٤٥ والدر المنثور ٤/٢٩٣..
١٣ انظر: جامع البيان ١٦/١٤٥..
١٤ وهي قصة طويلة، ذكرها السيوطي بكاملها في الدر المنثور ٤/٢٩٠-٢٩١ وذكر بعضها القرطبي في تفسيره ١١/١٧١..
١٥ مدين محادية لتبوك على بحر القلزم، وهي أكبر من تبوك، وبها البئر التي استقى منها موسى لسائمة شعيب. انظر: معجم البلدان ٥/٧٧..
١٦ ز: نهارا..
١٧ ز: آنست..
١٨ تلك سقطت من ز..
١٩ انظر: المصدر السابق..
٢٠ انظر: تفسير القرطبي ١١/١٧٥ والدر المنثور ٤/٢٩٣..
٢١ من قوله (فيكون على هذا مصدرا) إلى (بالواد) سقط من ز. بانتقال النظر..
٢٢ انظر: جامع البيان ١٦/١٤٥، وزاد المسير ٥/٢٧٥ والقرطبي ١١/١٧٥ والدر المنثور ٤/٢٩٣..
٢٣ انظر جامع البيان ١٦/١٤٦ والقرطبي ١١/١٧٥ والدر المنثور ٤/٢٩٣. وابن أبي نجيج هو عبد الله بن أبي نجيج الثقفي. انظر: ترجمته في الجرح والتعديل ٥/٢٠٣ وتهذيب التهذيب ٦/٥٤..
٢٤ انظر: جامع البيان ١٦/١٤٦ والدر المنثور ٤/٢٩٣..
٢٥ انظر: جامع البيان ١٦/١٤٦ وزاد المسير ٥/٢٧٤ والدر المنثور ٤/٢٩٣..
٢٦ انظر: جامع البيان ١٦/١٤٦ والدر المنثور ٤/٢٩٣..
٢٧ على سقطت من ز..
٢٨ ز: بعدها وكسرت..
٢٩ ز: مكسورا في الأول..
٣٠ انظر: غريب إعراب القرآن ٢/١٣٩..
٣١ ز: كعمرو. (تحريف)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى