فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدّر، كما مرّ غير مرّة، والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها وفاعل " يهد " هو الجملة المذكورة بعدها، والمفعول محذوف، وأنكر البصريون مثل هذا لأن الجمل لا تقع فاعلاً، وجوّزه غيرهم. قال القفال : جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم. قال النحاس : وهذا خطأ ؛ لأن «كم » استفهام، فلا يعمل فيها ما قبلها. وقال الزجاج : المعنى : أو لم يهد لهم الأمر بإهلاكنا من أهلكناه، وحقيقته تدل على الهدى، فالفاعل هو الهدى، وقال :«كَمْ » في موضع نصب ب﴿أهلكنا﴾. وقيل : إن فاعل ﴿يهد﴾ ضمير للّه أو للرسول، والجملة بعده تفسره، ومعنى الآية على ما هو الظاهر : أفلم يتبين لأهل مكة خبر من ﴿أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون﴾ حال كون القرون ﴿يَمْشُونَ فِي مساكنهم﴾ ويتقلبون في ديارهم، أو حال كون هؤلاء يمشون من مساكن القرون الذين أهلكناهم عند خروجهم للتجارة وطلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية خاوية خاربة من أصحاب الحجر وثمود وقرى قوم لوط، فإن ذلك مما يوجب اعتبارهم، لئلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك، وقرأ ابن عباس والسلمي :«نهد » بالنون، والمعنى على هذه القراءة واضح، وجملة :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لأولِي النهى﴾ تعليل للإنكار وتقرير للهداية، والإشارة بقوله :﴿ذلك﴾ إلى مضمون ﴿كم أهلكنا﴾ إلى آخره. والنهى : جمع نهية، وهي العقل، أي لذوي العقول التي تنهي أربابها عن القبيح.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قال النحاس : والفراء يذهب إلى أن معنى ﴿مَنْ أصحاب الصراط السوي﴾ : من لم يضلّ، وإلى أن معنى ﴿مَنِ اهتدى﴾ : من ضلّ ثم اهتدى وقيل :" من " في الموضعين في محل نصب، وكذا قال الفراء. وحكي عن الزجاج أنه قال : هذا خطأ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وقرأ أبو رافع :" فسوف تعلمون " وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري :" السوي " على فعلى، وردت هذه القراءة بأن تأنيث الصراط شاذ وقيل : هي بمعنى الوسط والعدل اهـ.
وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ : ألم نبين لهم. ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ منَ القرون يَمْشُونَ فِي مساكنهم﴾ نحو عاد وثمود ومن أهلك من الأمم. وفي قوله :﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مسَمًّى﴾ يقول : هذا من مقاديم الكلام، يقول : لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ نحوه. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : الأجل المسمى : الكلمة التي سبقت من ربك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿لَكَانَ لِزَاماً﴾ قال : موتاً. وأخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ﴾ الآية قال : هي الصلاة المكتوبة. وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن جرير عن النبيّ ﷺ في قوله :﴿وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس﴾ قال :( قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، ﴿وقبل غروبها﴾ صلاة العصر ) وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جرير قال : قال رسول الله ﷺ :( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا )، وقرأ ﴿فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ * قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ ). وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن عمارة بن رؤبة سمعت رسول الله ﷺ يقول :( لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ). وأخرج ابن أبي شيبة وابن راهويه والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والخرائطي وأبو نعيم عن أبي رافع قال :( أضاف النبيّ ﷺ ضيفاً. ولم يكن عند النبيّ ﷺ ما يصلحه، فأرسلني إلى رجل من اليهود : أن بعنا أو أسلفنا دقيقاً إلى هلال رجب، فقال : لا إلا برهن، فأتيت النبيّ ﷺ فأخبرته، فقال :( أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض، ولئن أسلفني أو باعني لأدّيت إليه، اذهب بدرعي الحديد، فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية :﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ ). كأنه يعزيه عن الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال :( إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا )، قالوا : وما زهرة الدنيا يا رسول الله ؟ قال :" بركات الأرض " وأخرج ابن مردويه وابن عساكر وابن النجار عن أبي سعيد الخدريّ قال : لما نزلت :﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة﴾ كان النبيّ ﷺ يجيء إلى باب عليّ صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول :( الصلاة رحمكم الله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ) [الأحزاب: ٣٣]. وأخرج ابن مردويه عن أبي الحمراء نحوه. وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ثابت، قال :( كان النبي ﷺ إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله :( يا أهلاه صلوا صلوا )، قال ثابت : وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب بإسناد. قال السيوطي : صحيح، عن عبد الله بن سلام قال :( كان النبيّ ﷺ إذا نزلت بأهله شدّة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وقرأ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة﴾ الآية ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى